ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

زمن الموسيقى «الخطيرة» في بيروت الثمانينيات: برنار كرم و... أول أيام زياد

ثقافة
|موسيقى
حفظ المقالة

شكّل التعاون بين زياد الرحباني وبرنار كرم تجربة موسيقية رائدة جمعت الالتزام بالابتكار في مرحلة فنية استثنائية من بيروت الثمانينيات.

بول مخلوف
بول مخلوف
الخميس 6 تشرين الثاني 2025
زمن الموسيقى «الخطيرة» في بيروت الثمانينيات: برنار كرم و... أول أيام زياد
الخط

شكّل التعاون بين زياد الرحباني وبرنار كرم تجربة موسيقية رائدة جمعت الالتزام بالابتكار في مرحلة فنية استثنائية من بيروت الثمانينيات. في استوديو «باي باس» ووسط أزيز الحرب، وُلد صوت جديد للأغنية اللبنانية، يجمع بين التجريب والضحك والبحث عن نقاء موسيقى تعبّر عن زمنها


بين زياد الرحباني وبرنار كرم وميض لامع، تجمعهما كيمياء استثنائية، يزداد وهجها بحضور الموسيقى ويطوف سحرها مع الكحول. هذا هو الانطباع الذي يتركه لنا وثائقي «هدوء نسبي» (1985) حيث يظهر زياد الرحباني مع مجموعة من (أصدقائه) الموسيقيين أثناء تحضيرهم للألبوم الذي حمل عنوان الفيلم الوثائقي نفسه. برنار كرم واحدٌ من «أبطال» «هدوء نسبي» الذين نراهم في «الكواليس»، منهمكين في إنتاج أهم ألبوم في ديسكوغرافيا زياد الرحباني.

هدوء نسبي

لنقرّب الصورة قليلاً. برنار كرم هو ذاك الرجل الذي لم تفلح محاولات التهدئة عن كبح ضحكه مع زياد الرحباني أمام الكاميرا في المشهد الأخير من الوثائقي حتى بدا إنجاز هذا المشهد شبه مستحيل. وفي مشهدٍ آخر، يظهر برنار كرم وهو محاطٌ بالتناقضات، بيد أنّه في التناقضات الذي يكتنفها هذا المشهد، ثمة إحالة إلى ذاك السحر المتّقد بين اثنين جمعتهما الموسيقى والخفّة الطليقة. في «هدوء نسبي» الوثائقي نرى: زياد الرحباني محنيّ الظهر وراء آلة التسجيل (mixer)، يهزّ رأسه صعوداً ونزولاً، يتعمّد إخفاء وجهه عن الكاميرا ولا يظهر منه سوى يده والسيجارة بين أصابعه. في الخلفية تدور أغنية «خلص».

يشرف على تسجيلها شاب أشقر يجلس إلى جانب الرحباني وراء الـ«ميكسر». لماذا يطأطئ زياد رأسه بهذا الشكل؟ لماذا أبعد وجهه عن الكاميرا؟ هل هو يبكي حقاً؟ هل يبكي على «مأساوية» الأغنية، أغنيته... «خلص»؟ ثوانٍ قليلة تمرّ ليعود ويرفع رأسه قليلاً، عيناه الخافتتان تلتفتان نحو صديقه، تلتقطه الكاميرا حينها فنراه يبكي فعلاً، ولكن من شدّة الضحك.

كنا نضحك كثيراً

برنار كرم هو ذاك الرجل الذي يحضر معه الضحك على وقع واحدة من أكثر الأغاني درامية في الفن المعاصر... «خلص». حين أعدنا إليه هذه الذكريات علّق عليها بالقول: «كنا نضحك كثيراً. كان الضحك يسود من الصباح حتى آخر الليل».

برنار كرم أحد «أبطال» «هدوء نسبي». يكمن معنى البطولة هنا في أنّ الأخير هو واحدٌ من هؤلاء الذين صنعوا موجة موسيقية «خطيرة» شهدتها بيروت مدة الثمانينيات؛ حين كان صوت المدفع يعلو فوق كل صوت آخر. هذا الشاب الذي نراه يضحك ويلهو مع زياد الرحباني هو شخصٌ دقيق بصورة متشددة. جاد إلى أقصى حدود الجديّة. مهنته فرضت عليه التقاط الذبذبات الهائمة في الهواء لكونه يشتغل مع النوتات، مع الصدى والفراغات، ومع «اكتشاف» جديد كان، آنذاك، بمنزلة «اكتشاف العصر» ويدعى «ربع نوتة». أمضى الرحباني في وثائقي «هدوء نسبي» دقائق طويلة يشرح فيها نظرية «الربع نوتة» ويطبّقها من أجل تبسيط وتوضيح أهمية و«حداثوية» هذا «الاكتشاف».

برنار كرم هو الشخص الذي كان مسؤولاً عن «صوت» هذا «الربِع»، وعن «صوت» القطعة الموسيقية في شكلها الخالص. هو، بوصفه مهندس صوت، كان مسؤولاً عن تلك الموسيقى التي عرّفت عن نفسها يوماً بـ«جاز شرقي»، وعن «صوت» التجربة الموسيقية الأخرى التي وصفت نفسها بـ«روك شرقي» (تجربة عبود سعدي، فرقة Force)، وهو الذي تولى الإشراف على «صوت» أول ألبوم فيروز مع زياد «معرفتي فيك» (1984).

مسؤوليته كانت هائلة إذاً، لا مجال للتقاعس فيها ولا للمرح الزائد. وجب عليه الحفاظ على توازن الإيقاع وتناغمه، وعلى نظافة الصوت بين آلاتٍ لم تعرف التآلف بين بعضها البعض قبل تجربة زياد الرحباني الموسيقية؛ هو قطعاً واحدٌ من «أبطال» الموسيقى «الخطيرة». وبرنار كرم دقيق إلى حد التشدد. وبسبب هذه الدقة، سيغضب في حال أغفلنا عنه ما يعدّه مسألة «جوهرية»، وهو موضوع الالتزام، يعني الالتزام بالفن نفسه. وربما، كان ليسعد لو عرّفناه أولاً وقبل أي شيء بأنه شخص ملتزم. «لا يمكن نزع الالتزام عن الفن، خارج الالتزام ليس هناك فنّ» يقول.

رأينا الإسرائيليين يسرقون معدات الصوت والإنارة في «البيكاديلي» ويشحنونها في عرباتهم


لقد كانت الأغنية الملتزمة الصاعق الذي أيقظ برنار كرم وشكّله حتى غدا الشخص الذي نعرفه اليوم. لقد دفعته الأغنية الملتزمة إلى التخصّص في هندسة الصوت، ومسيرته شهدت على إنتاج معظم هذه الأغاني التي خرجت مدة الثمانينيات من استوديو زياد الرحباني «باي ــ باس». عايش كرم الفترة الممتدة منذ أواخر السبعينيات إلى أواخر الثمانينيات، أي مرحلة «الخراب الأهلي الكبير» التي كانت، في الآن عينه، المرحلة الذهبية للموسيقى «الخطيرة» في بيروت. كانت القنابل في تلك المرحلة تنهمر على المنازل كالمطر، «كيف بوسعك ألا تكون ملتزماً؟» يسأل ساخراً.

هذه الموسيقى «الخطيرة» التي ولدت في بيروت في تلك المرحلة، وقف وراءها جندي مجهول أو واحد من جنود ليسوا مجهولين تماماً غير أنهم مغمورين من دون شك. برنار كرم هو من هؤلاء الذين لعبوا دوراً مائزاً في تشكيل تاريخ جديد للموسيقى في لبنان.

البدايات: الأغنية الملتزمة

استقبلنا برنار كرم في منزله الواقع في مزيارة (شمالي لبنان) بترحابٍ حار رغم التأجيلات المتكررة التي صدرت منا لأسبابٍ لا داعي لذكرها. الرجل الذي جلس أمامنا على الكنبة في باحة منزله قد تقدّم في السن. لم يعد الشاب اليافع كما يظهر في وثائقي «هدوء نسبي» إلا أنه لا يزال رشيقاً ومرحاً، طليق اللسان، ذا ذاكرةٍ قوية، وعيناه ما زالتا تحملان البريق نفسه والنظرة الحادة نفسها التي بدا فيها في عشرينياته.

من باب غسان الرحباني دخلنا إلى عالم زياد الرحباني، أو بالأحرى دخلنا إلى عالمه مع زياد الرحباني. زحمة السير التي يعرفها كل واحد منّا، كانت سبب تأخرنا عن الموعد (الذي حصل)، زحمة السير التي شكّلت في ما سبق ثيمةً لأغاني غسان الملتزمة. فإذن، استهللنا الحديث مع برنار في أزمة السير و«العجقة عالفاضي»، فاستحضر تلقائياً الأغنية التي ألّفها غسان الرحباني حول هذا الموضوع من دون أن يتوانى عن التعبير عن إعجابه بتجربة الأخير.

غسان الرحباني «لديه تجربته الخاصة والفريدة». إنه «الوحيد الناجح موسيقياً بين الرحابنة الأبناء لو استثنينا زياد» يضيف. وسرعان ما عبّر لنا عن الذهول الذي اعتراه عندما استمع للمرة الأولى إلى عازف الغيتار الذي لعب مع غسان في بداياته، يوم كان للأخير فرقته الموسيقية التي عزفت موسيقى الـ«هارد روك». «أتذكر هذا الغيتاريست جيداً.

لقد كان قصير البنية، يعزف على الغيتار وكأنه جيمي هندريكس». ومن أغاني غسان الرحباني الملتزمة التي أصدرها بعد مرحلته في الـ«هارد روك»، سار الحديث إلى مخول قاصوف، وسامي حواط، ومارسيل خليفة، وطبعاً زياد الرحباني، بعد تطرق وجيز إلى بوب ديلان. «كل أغاني بوب ديلان ملتزمة، حتى أغنية Mr tambourine man».

تبدو الأغنية الملتزمة أشبه بالرحم الذي جاء منه برنار كرم إلى عالم الموسيقى. عام 1972، أسّس مع مجموعة من أصدقائه في القرية فرقة موسيقية صغيرة عزفت موسيقى «الروك». حينها كانوا متأثرين بفرق مثل «البيتلز» و«الدورز» و«ديب بيربل» إذ نظروا إلى «الروك» باعتباره احتجاجاً وأسلوب رفض.

سيتبلور الوعي السياسي عنده في السنوات القليلة القادمة. كانت تلك الأيام بدايات السبعينيات، إرهاصات الحرب بدأت تتشكل وحضور الراديو كوسيط سمعي لعبت دوراً أساسياً في بثّها للأغنية الملتزمة (العربية) التي كانت في بداياتها... كل هذه العوامل حفزت برنار كرم إلى اكتشاف مصير جديد ينتظره. ثم كانت القشة التي قصمت ظهر الجمل.

سمع كرم أغنية «أحن إلى خبز أمي» لمارسيل خليفة، «هذه الأغنية غيرت حياتي» يعترف. أسلوب عزف العود في هذه الأغنية، «الهارموني» بتعبيره، حرّك فيه شيئاً، ليقرر على إثرها التوجه إلى بريطانيا والتخصص في هندسة الصوت.
لم يعد برنار يريد التعاطي مع الموسيقى كمستمع أو كهاوي غيتار، بل أراد الدخول إلى عالم الموسيقى من الباب الكبير.

مع زياد الرحباني

ما إن عاد برنار كرم إلى لبنان عام 1977 حتى توجه فوراً إلى حانةٍ صغيرة في رأس بيروت اعتاد زياد الرحباني العزف فيها. يقول «لم أصدق متى حان وقت عودتي إلى لبنان». قلنا: لكن الحرب كانت محتدمة في تلك الأثناء، ألم يكن من الأفضل البقاء هناك؟ فأجاب «لقد درست هندسة الصوت لأنني أردت العمل وسط هذا الجوّ الملتزم، ولأسهم في إنتاج الأغنية الملتزمة».

كان زياد الرحباني «نجم» ذاك المناخ. عبر «شيكو» (صاحب ديسكوتيك «شيكو ريكوردز»، وشريك زياد الرحباني في الإنتاج) علم برنار أنّ الأخير يعاني مشكلات تتعلّق بالصوت أثناء تحضيره لمسرحية «بالنسبة لبكرا شو». في إحدى الأمسيات، انتظر برنار انتهاء زياد من العزف، وطلب من النادل أن يخبره بوجود شخص يرغب في التحدث إليه. وافق زياد على لقاء كرم لسبب بالغ الغرابة. لقد كان «زياد مغرماً، مثل روميو، بزوجته الأولى دلال كرم التي نتشارك وإياها الكنية نفسها.

ولولا اسم العائلة، لما كان زياد ليقبل التحدث معي، إذ سبق له أن رفض محادثة كثيرين». وفي تلك الليلة، اعترف زياد لبرنار عن مشكلات متعلقة بالصوت في «بالنسبة لبكرا شو»، التي تزخر بالحركة كان على كرم إيجاد حلٍّ لها. «عقدت مجموعة من الميكروفونات في منطّة تحت المسرح، ما جعل الصوت يبدو واضحاً عندما يقفز الممثل من دون أن يكون ثمة صدى، أو أن يتأثر ميكروفون الممثل ولا يعود بإمكان الجمهور أن يسمعه حين يتكلم».

فكَّ برنار العُقدة وباتت المسرحية جاهزة للعرض، خالية من أي خلل. أما الرحباني، ففي إحدى البروفات، نظر إلى برنار وأغشي عليه من الضحك. «ما الأمر؟» سأله كرم. «كلما أنظر إلى شكل هذه الميكروفونات المعقودة أتذكر ... (شيئاً)». دعابات زياد البذيئة حاضرة دوماً، فالضحك قائم... دائماً قائم.

إذا كان السؤال «بالنسبة لبكرا شو؟» موجهاً فعلياً إلى برنار كرم، فقد كان «بكرا»، الغد الذي تلا المسرحية، لحظة انطلاقة رحلة فنية دامت لمدة عشر سنوات. مسيرة ستنتهي عام 1990، عندما انتهى «الخراب الأهلي الكبير»، وعندما أقفلت الستارة على تلك الحقبة الموسيقية «الخطيرة».

استوديو «باي باس»

لا تنتاب برنار كرم النوستالجيا حين نستعيد معه تلك المرحلة، ولا يتملكه الحنين، ولو أن ملامح وجهه تتبدل عند ذكر اسم زياد الرحباني، إذ بوسع الناظر إليه استشفاف شوقٍ يكنّه هذا الرجل تجاه صديق قديم. يتذكر تلك المرحلة العاصفة والخوتاء بهدوء ورصانة، كأنه شبع حدّ التخمة من ذاك الجنون، هو الذي عاش يوميات تلك المرحلة بحلوها ومرها، وقد كانت مريرة بل فائضة بالمرارة.

على بُعد أمتار قليلة من شارع الحمرا، وبالقرب من «مستشفى طراد» في كليمنصو، في بنايةٍ تابعة لآل عيتاني (أصحاب «البيكاديلي»، والمنتجين الفنيين) كان يقبع استوديو زياد الرحباني «باي باس». هذا الاستوديو أشبه بمختبر الخيميائيّ، حصلت في داخله ثورة رهيبة في تاريخ الموسيقى خصوصاً والفنّ عموماً.

«كان «باي باس» المكان الذي يجب أن يدخل إليه كل من يعتقد أن فنّه «تقدميّ وملتزم». لا يتذكر برنار كرم كل أسماء الفنانين الذين أتوا إلى «باي باس»، وهم كثر، لكنه يجزم بأن كل الأغاني التي تناولت الجنوب اللبناني و«القضية» كانت تسجل هناك وأنه من أشرف عليها.

  • (مروان بو حيدر)
    (مروان بو حيدر)

في تلك المرحلة، كما يروي لنا كرم، كان ««استوديو بعلبك» يستقبل الفنانين التقليديين، الكلاسيكيين، ومن كنا نعتبرهم برجوازيين. في حين كان استوديو زياد هو المركز العصري. كان الصندوق الخفي الذي خرجت منه ثقافة تلك المرحلة». تفرغ برنار كرم للعمل كمهندس صوت في «باي باس» براتبٍ يضاهي 5000 ليرة. كان «موظفاً» مع ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، فيما الآخرون مثل العازفين الذي كان زياد الرحباني يعمل معهم، يتقاضون أجرهم بحسب المهمة. تحوّل استوديو «باي باس» إلى ما يشبه ساحة منافسة. من أراد تسجيل أغنيته الملتزمة، وجب عليه تقديم أغنيةٍ أفضل من تلك التي سبق وسجّلت في هذا المكان. غير أنّ «باي باس» فتح أبوابه أيضاً لفناني «البوب»؛ لجميع من أراد التسجيل ولو لم يتماه مع الجوّ الذي عرفه هذا الاستوديو.

استقبل «باي باس» كل من يريد أنّ يسجل الأغاني بأسعارٍ مقبولة. يخبرنا برنار كرم أن «معظم الأرباح الذي جناها زياد الرحباني اعتاد أن يشتري فيها آلات». ورغم كون المعدات وآلات التسجيل في «باي باس» «جيّدة» إلى حدّ ما، إلا أنّ الاستوديو كان «عارياً»، فمكانه ليس تحت الأرض، بل كان في الطابق الثاني. هذا يعني أن العازل الصوتي شفاف وهش، وبالتالي على مهندس الصوت أن يكون قديراً حتى يحافظ على نقاوة وجودة الموسيقى. التحديات كبيرة إذاً.

إنها بيروت الثمانينيات حيث «كل يوم هناك سيارة قربك تنفجر». يستعيد لنا قصة طريفة تلخّص الكثير: «أوقع أحدهم في منزلٍ مجاورٍ صحوناً بالخطأ، فاعتقد الجميع من ضمنهم سكان المنزل نفسه، أنّ انفجاراً قد حصل، فدبّ الذعر، وعلا الصراخ وكل ما سجلناه «راح عالكب». وعلى هذا النحو، ولأنها «أحداث حوادث لبنانية»، كان على زياد الرحباني وبرنار كرم والموسيقيين إعادة التسجيل دائماً من جديد.

كان عملاً مرهقاً بلا شكّ. تنفجر سيارة من منزلةٍ قريبة من الاستوديو، فتذهب ساعات من التسجيل إلى سلة المهملات. إذا صرخ «أبو الجواهر» في شارع الحمرا وجب على العاملين في «باي باس» بدء العمل من جديد. وهكذا، فالأحداث حوادث لبنانية تصبو إلى دوّامةٍ تدور حول نفسها وتتكرّر كالعود الأبدي. هذا وإنّ الهم الكبير الذي دائماً ما أقلق كرم هو «قطع الغيار»، فبيروت كانت محاصرة، ولبنان في الحرب، وفي حال تعطلت إحدى الماكينات فيواجه مهندس الصوت... كارثة.

على أنّ الكارثة الكبيرة التي وقعت لم تكن غياب القطع، إنما ما حدث في لبنان عام 1982. في أحد أيام عام 1982، استيقظ برنار كرم ووجد، مثل باقي سكان بيروت الغربية، أنّ الإسرائيليين وصلوا إلى... «البيكاديلي». وفي داخل مسرح «البيكاديلي» كانت ثمة قطع وآلات موسيقية وأغراض باهظة الثمن، فما كان مقرراً فعله هناك، هو عمل فني بعنوان «كان به». كل هذه القطع، ومعها العمل الفني نفسه، اختفت. تماهى مصير هذا العمل مع صيغته. «كان به» مسرحية تُقرأ من عنوانها، ومعناها ساطع أمامنا حرفياً. أما عنوانها فقد دلّ على كل شيء: فعل ماض ناقص.

كان به

انتقل برنار كرم من كونه مهندس صوت يعمل كزميل مع زياد، إلى صديق يشرب القهوة «مخلوطة مع كونياك» عند الساعة الثامنة صباحاً قبل البدء بالعمل مع زياد، إلى منتج -برفقة صديقين له- لمسرحية زياد الرحباني. «لم تكن هناك مسرحية اسمها «شي فاشل». ما كان مقرراً فعله هو مسرحية اسمها «كان به» وهي تحوي فصلين و«شيء فاشل» هي الفصل الأول فيها». المبلغ المالي الذي رصد لهذا العمل كان هائلاً. «كان به» كما يصفها لنا برنار كرم أكثر من مسرحية.

كانت أشبه بعمل «مفهوميّ»؛ الفنّ عندما يخرج إلى الحياة، والحياة عندما تدخل إلى الفنّ. ذاك أنّ ما كان مخططاً له هو الآتي: عام 1982 كان العام التي ستجرى فيه انتخابات رئاسية. اقتضت فكرة الرحباني أنه سيرشح، برفقة أصدقائه، سيدة على منصب الرئاسة، وضمن الحملة الانتخابية المقررة لهذه السيدة، وهي نضال الأشقر، كان سيجول مع أصدقائه العازفين في المناطق اللبنانية بغية الترويج لها. هي «حالة» اعتراضية ساخرة في كل الأحوال، لكنه الفنّ الممارس بأكثر أشكاله تكثيفاً. كان سيتخللها عرض موسيقي وكوريغرافيّ. الفصل الثاني من «كان به» تجسيد لهذا المناخ تحديداً.

انطوى الفصل الثاني من «كان به» على عرض فنيّ ضخم، فيه رقص وموسيقى، مع مؤثرات صوتية وبصرية، وتم التخطيط للإنارة والديكور، وقد تكفّل المنتجون بكل شيء مثل تكاليف الفرقة الموسيقية، إذ قدم عازفون من بلدان أوروبية إلى بيروت حتى يتدربوا.

غاب هذا المشروع من دون أن يبقى منه أي أثر، مثل مدينة اختفت بعد تعرضها لقصفٍ دامٍ. تبخّرت «كان به» بسبب الاجتياح الإسرائيلي على لبنان. ونضال الأشقر كانت ستلعب دور البطولة في مسرحية ساخرة تحدث في الواقع، فقد تبوأ -للأسف- عدوّها رئاسة الجمهورية.

يسرد لنا برنار كرم بعض الوقائع: «معدات الصوت والإنارة كانت في «البيكاديلي». رأينا الإسرائيليين يسرقونها ويشحنونها في عرباتهم. خسرنا الكثير من الأموال ليس لأن المعدات قد سرقت فقط، إنما لأننا استعدنا عدداً من هذه المعدات بعدما اشتريناها من جديد من «جيش لبنان الجنوبي»». سلّم الإسرائيليون «الغنائم» إلى جيش لحد وجيش لحد باع هذه «الغنائم»... لأصحابها.

لكن زياد أصرّ على «تكملة الطريق»، وعلى إعادة أموال المنتجين. «قرر زياد الاكتفاء بالجزء الأول من «كان به» مع بعض التعديلات، فخرجت «شي فاشل»». ويتابع برنار «عرضنا «شي فاشل» في مسرح «جان دارك» وليس في «البيكاديلي»، وهذه المسرحية حققت أرباحاً طائلة، ونحن كمنتجين استعدنا أموالنا وحققنا أرباحاً أيضاً». الحديث عن «شي فاشل»، لا بدّ من أن نسأله عن زياد أبو عبسي: هل تتذكر زياد أبو عبسي؟ فيرد: «هذا الرجل كان عملاق مسرح».

الظاهر أنّ المسرح والحياة، في مرحلة الثمانينيات، متعالقان لصيقان، ومن الصعب التمييز أو الفصل بينهما: ما هو الحقيقي هنا، وما هو الخيالي هناك. لكن لحظة انتهاء تلك المرحلة كانت لحظة التفسخ؛ هي اللحظة التي انتهى فيها تقريباً ...كل شيء.

Finale

التسعينيات في لبنان تشبه الصحوة من كابوسٍ جميل إلى وهمٍ مرعب. الانتقال والتبدّل طاولا كل شيء. المشهد الثقافي تغيّر، الولاءات السياسية انقلبت رأساً على عقب، وحتى العلاقات الاجتماعية لم تسلم وبما فيها الصداقات. قبل التسعينيات بقليل، انتقل موقع استوديو «باي باس» إلى مكانٍ آخر. وتبدّل اسم استوديو زياد الرحباني، صار اسمه «استوديو نوتا»: وهو مكان مجهّز بمعدات وآلاتٍ تسجيل حديثة بوسعها استيعاب 16 آلة وليس 8 آلاتٍ كما كانت الحال في «باي باس».

الداخل إلى «استوديو نوتا» يلمح فور تجاوزه العتبة، صورة فوتوغرافية معلّقة على الجدار، تعود إلى برنار كرم. هناك صور فوتوغرافية لأشخاصٍ آخرين من «أبطال» تلك المرحلة «الخطيرة» علّقها الرحباني على جدرانه: مادونا (على باب غرفة الاستوديو)، وليد إتيم، وصور موسيقيين وأصدقاء آخرين. كأن هؤلاء مهما تغيّر الزمن وتبدّلت الأحوال، بقيت ذكراهم محفوظة عند الرحباني، كأن «صوتهم» مطموس في مكانٍ ما «الآن وهنا»؛ هناك تحضر أطيافهم حتى ولو كانوا غائبين. في مطلع التسعينيات، ابتعد الصديقان اللذان عرفا صوت القنبلة وصوت الموسيقى وقرقعة الكؤوس عن بعضهما. الأسباب، كما يفصح عنها كرم، متعلّقة بإدارة العمل و«عقلين لم يعودا يتفقان».

مضى كل واحد منهما في طريق. بقي برنار كرم في لبنان لمدة قصيرة، عمل في تلك الأثناء مع الياس سحاب ومع آخرين في هندسة الصوت وإدارة الحفلات، صار مجرد «زميل» لزياد الرحباني، يتعاطى معه ضمن حدود المهنة «كنت أستأجر منه المعدات»، قبل أن يحزم أمتعته ويرحل إلى أفريقيا. هناك عمل في الفوتوغرافيا، وفي هندسة الصوت لمشاريع إعلانية وفنية «ضخمة»، كما يصفها، تتعلّق بحفلاتٍ موسيقية وغيرها «بإمكاني القول إنّ المشاريع التي تمنيت العمل عليها طوال حياتي قد حققتها» يضيف.

لكن برنار كرم الذي كان يعود إلى لبنان في زيارات موسمية، التقى مرةً بزياد بعد «انقطاع» دام لسنوات. حدث ذلك في حفلة فيروز في بيت الدين عام 2000.

تكررت لقاءاتهما إلى أن توقفت نهائياً عام 2015. وفي كل تلك اللقاءات، كان الحديث يدور حول مشاريع ظلت تتأجل حتى غيّبها الموت. على سبيل المثال، أصرّ برنار كرم مراراً على زياد أن يجتمع مع توفيق فروخ في عملٍ موسيقيّ واحد، وقد عرض أن يتولى إنتاجه بنفسه. غير أنّ الرحباني دائماً ما كان يؤجّل هذه الفكرة إلى «وقت لاحق». لم يحدث هذا المشروع. عدد من المشاريع الأخرى التي «اتفقا على إنجازها» بقيت معلّقة. «عرضت على زياد إنتاج إحدى المسرحيات التي دائماً ما قال إنّها «خالصة»، وفي كل مرة كان يقول لي إنّه جاهز»، بيد أن هذا المشروع لم يبصر النور.

كأنّ الضحك والخفة الهذارة اللتين جمعتا هذين الصديقين قد انقلبتا، أو تحولتا -تحوّلات «تسعينية»- إلى يأسٍ ثقيل وتأجيل عقيم. ثمة شيء ما، فعلاً، «خلص».

هكذا إذاً، سيرة الموسيقى والفنّ عند هذين الصديقين انطفأت، الصداقة بدورها، خفتت ودنت من نهايتها، ثمة شيء ما، فعلاً، «خلص». عودة إلى بدء. نسأل: برنار، ألا تتذكر سبب تلك الضحكة في الاستوديو؟ «بلى» يجيب مبتسماً ثم يروي: «إذا لاحظت، يكرر زياد في الوثائقي «هدوء نسبي» سؤال «عم تسجّل؟ ».

في إحدى المرات أثناء تحضير فيروز ألبوم «معرفتي فيك»، كنا في الاستوديو وحين بدأت فيروز بالغناء، كان عليّ أن أسجل صوتها، لكنني لم أفعل ذلك لأنني اعتقدت أنّها تتمرن. عندما انتهت من الغناء، جاء زياد وطلب مني أن أُسمعه التسجيل، فقلت له إنني اعتقدت أنها بروفا. كنت أنا المسؤول في تلك المرة عن تخريب التسجيل. ومنذ ذاك الحين، وسؤال «عم تسجل؟» أشبه بنكتة سرية كنا نتداولها».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك