همايون إرشادي... «ضمير» السينما الإيرانية
يودّع المشهد السينمائي الإيراني همايون إرشادي، الوجه الذي منح الصمت عمقه. اكتشفه كيارستمي مصادفة وغيّر مسار حياته، فكان «طعم الكرز» بوابته للعالم. مهندسٌ صار ممثلاً متأمّلاً، جسّد قلق جيلٍ بكامل هدوئه، وبقي «مرآة ضمير» السينما الإيرانية حتى رحيله


تركت وفاة عبّاس كيارستمي سنة 2016 فراغاً في السينما الإيرانية. وجاء رحيل همايون إرشادي (1947 – 2025) أخيراً ليقفل فصلاً من التيار الشعري نفسه: جيل حوّل البساطة إلى شكل من أشكال الفلسفة.
علاقة بدأت عند إشارة مرور
لم تكن العلاقة بينهما وليدة الوسط الفنّي، بل بدأت عند إشارة مرور في طهران. في سنة 1996، أثناء التحضير لفيلم «طعم الكرز» (1997، سعفة كان الذهبية)، كان عبّاس كيارستمي يبحث عن ممثل غير محترف يستطيع أن يجسّد العمق الوجودي الهادئ لشخصية الفيلم الرئيسية.
وفي أحد الأيام، بينما كان متوقفاً عند إشارة مرور في طهران، لاحظ إرشادي جالساً في سيارته. طرق كيارستمي نافذته، وقدّم نفسه، وقال: «أنا أصنع فيلماً وأرغب أن تكون فيه». لم يكن إرشادي ممثلاً، بل كان مهندساً معمارياً، درس في إيطاليا، وبنى منازل في إيران، وعاش محاطاً بالكتب والمخططات.
مع ذلك، رأى كيارستمي في وجهه شيئاً لا يمكن للسينما أن تخلقه: حزن مسكون في الوجه، وكرامة هادئة، وهالة تأملية.
صورة السينما الإيرانية المعاصرة
غيّر هذا الحدث حياتهما، وأعطى للعالم «طعم الكرز». أصبح تجسيده للسيد بادي، الرجل الذي يتجول في ضواحي طهران المتربة بحثاً عن شخص يدفنه بعد أن ينتحر، صورة للسينما الإيرانية المعاصرة.
مع القليل من الإيماءات والصمت المطول، حمل إرشادي الثقل الوجودي للفيلم ومثّل جيلاً من الإيرانيين العالقين بين الإيمان واليأس.
كل وقفة، كل حركة طفيفة، تحمل ثقل فكرة. في الدقائق الأخيرة من الفيلم عندما تُركز كاميرا كيارستمي على وجهه في مواجهة الريح، لا يُجسد إرشادي الشخصية فحسب، بل صمت جيل بأكمله.
نوع نادر من الفنانين
ينتمي إرشادي إلى ذلك النوع النادر من الفنانين الذين يصلون إلى الفنّ بكامل نضجه. دخل عالم السينما في الخمسين من عمره. قبل أن يتحوّل إلى التمثيل، عاش حياة هادئة. ولد في أصفهان، ودرس الهندسة المعمارية في البندقية قبل أن يعود إلى إيران، حيث عمل في تخطيط المدن والتصميم.
اعترف قائلاً ذات مرّة: «لم أتخيل أبداً أنّ السينما ستجدني، لكن كيارستمي لم يكن يبحث عن ممثل، بل كان يبحث عن إنسان». وأصبحت تلك الإنسانية هي السمة المميزة له. بدا وجهه الهادئ الذي يحمل آثار الزمن كأنّه يحتوي على فلسفة، على توتر بين ماضي إيران الشعري وحاضرها المضطرب، بين العزلة والسعي الروحي، وهي ثنائية جسدها إرشادي بسهولة طبيعية.
بعد نجاحه، أصبح سفيراً صامتاً للسينما الإيرانية. تعاون مع كبار المخرجين العالميين، مجسداً طاقته التأملية في الإنتاجات الغربية من دون أن يفقد أصالته. اختاره مارك فورستر لأداء دور بابا، الأب المأساوي في فيلم «عداء الطائرة الورقية» (2007ــــ The Kate Runner). اختارته كاثرين بيغلو لاحقاً في فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» (2012 ـــ Zero Dark Thirty)، مما وضعه مجدداً على مفترق طرق بين السرديات الجيوسياسية الغربية وهوية الشرق الأوسط.
لم يتخلّ إرشادي قط عن السينما الإيرانية، شارك في أفلام رخشان بني اعتماد، وماني حقيقي، وغيرهما من ورثة مدرسة كيارستمي. كانت شخصياته دائماً تقريباً متحفظة: أب، ومرشد، وغريب مراقب. لكن حضوره أضفى على كل مشهد ثقلاً أخلاقياً وعاطفياً.
الوجه الذي جعل الصمت بليغاً
أطلق عليه المخرجون الإيرانيون لقب «مرآة ضميرنا»، بينما تذكره العالم بأنه «الوجه الذي جعل الصمت بليغاً». بالنسبة إلى عدد من المخرجين الشباب، كان إرشادي بمثابة الجسر بين السينما الأخلاقية في التسعينيات وسرديات القرن الحادي والعشرين التأملية. بعيداً عن الأضواء، عاش حياة مُتقشفة. يتذكره من عرفوه رجلاً منضبطاً يتمتع بروح دعابة هادئة، كان لا يزال يرسم ويقرأ عند الفجر.
لم يسع للشهرة قط ولم يُدل بتصريحات سياسية. قال ذات مرة: «حياتي تتكون من أشياء صغيرة: الكتب، والمشي، والقهوة، والصمت. التمثيل جزء من هذا الصمت».
