
بعد محاولات حثيثة للبحث عن هويتهما الشخصية، بالتزامن مع رسائل تهديد لا تُعدّ ولا تُحصى، خرج كوري أرشيبالد وكيسي كينيدي إلى العلن ليكشفا عن دورهما في تأسيس موقع «تراك أيباك» المنهمك في ملاحقة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية وفضح التمويل الانتخابي للسياسيين الأميركيين العابر للحزبين، ما يتيح لإسرائيل تأمين نفوذ واسع في مراكز صناعة القرار السياسي والعسكري في واشنطن.
وخلال مقابلة متلفزة أجراها الناشطان الأسبوع الماضي مع منصّة Breaking Points، أشارا إلى سعي جماعات الضغط السياسي لكشف معلومات شخصية عن أعضاء فريق الموقع، بعد نجاحه في إثارة ضجّة كبيرة داخل الحياة السياسية في واشنطن وازدياد اهتمام الناخبين بعملهم الذي يكشف بشفافية شبكة علاقات اللوبي الصهيوني، بالإضافة إلى طرحه بطريقة سلسة وواضحة. ولذا قرّرا أن يُظهرا نفسيهما إلى الجميع بعد أسابيع من الرسائل المباشرة والتهديد: «إذا كانوا يريدون العثور علينا بشدّة، فها نحن».
For weeks AIPAC friendly trolls have been sending threatening messages and trying to dox our team members. Well if they want to find us so badly, here we are.
— AIPAC Tracker (@TrackAIPAC) November 11, 2025
Our first public interview just dropped on Breaking Points with @krystalball and @esaagar: https://t.co/QgmUr6M8Vm
مواجهة علنية مع اللوبي الإسرائيلي
من جهتها، أكّدت أرشيبالد، التي عملت في كواليس الكونغرس من قبل وتعرّفت عن قرب على مدى تأثير نفوذ اللوبيات على صناعة القرار في واشنطن، أنّ الزخم الشعبي الواسع الداعم لعمل الموقع خلال العامين الماضيين أدّى بالفعل إلى ابتعاد بعض السياسيين عن «أيباك». ومع اقتراب عدد المتابعين الصفحة على منصّة «إكس» من حوالي 400 ألف مستخدم، لفتت الناشطة إلى أنّ هدفهم الرئيسي هو جعل العلاقة بين المرشّحين الأميركيين واللوبي الإسرائيلي إشكاليّة.
أمّا بالنسبة لكينيدي، الذي أمضى عشرة أعوام في العمل داخل الحملات الانتخابية للمرشّحين، فاكتشف وجود «خطّ أحمر» عند التطرّق إلى «أيباك»، مما دفعه للتساؤل عن مدى فساد المسؤولين في البلاد. وسأل كينيدي خلال الحلقة: «لماذا نُرسل أموال الضرائب الأميركية لتُستخدم في جرائم حرب؟ لماذا نُرسل أسلحة أميركية لقتل النساء والأطفال والمدنيين الأبرياء؟». وانطلاقاً من هنا، تحفّز الناشط لفضح حجم نفوذ اللوبي الإسرائيلي على السياسيين في واشنطن: «الصراع في فلسطين ليس معقّداً مثلما يحاولون تصويره في أميركا، فهم يعقّدونه أمام الجمهور لحماية إسرائيل التي تُموّلهم».
وأمام التحديات والهجمات على محتوى عملهم، لفت كينيدي إلى أنّ «الوقوف في وجه إبادة لم تتوقّف حتى الآن ليس معاداة للسامية».
من جهة أخرى، دخلت «تراك أيباك» في العمل السياسي الأميركي بشكل مباشر بعد دعمها عدداً من المرشّحين. لكنّ كينيدي أشار إلى أنّهم يشترطون على هؤلاء رفض أي تمويل أو علاقة مع «أيباك» أو أي من لوبيات الضغط السياسي، كما يجب عليهم دعم قانون «ليهي»، وهو مجموعة من التشريعات التي تحظر على الحكومة الأميركية تقديم مساعدات عسكرية وأمنية لقوات أجنبية متهمة بارتكاب «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان». ولا تقف شروط الدعم السياسي عند هذا الحدّ، إذ يطالبون المرشّحين بمؤازرة الفلسطينيين في مسعاهم للحصول على حقوقهم، مصحوبة بمواقف واضحة ترفض انحياز الإدارة الأميركية إلى جانب إسرائيل في جميع المحافل الدولية. لكنّ كينيدي لم يغفل إحدى الشروط الرئيسية أيضاً: «الاعتراف أنّ ما يحصل في قطاع غزة هو حرب إبادة».
خفايا البيت الأبيض
لم تأتِ شعبية الموقع الجارفة من العدم، إذ إنّ العمل الشفّاف والمُنظّم للمحتوى ساعد في تبسيط إيصال الناخب الأميركي العادي إلى كواليس الحياة السياسية في البلاد. وازدادت أخيراً الأصوات التي تتساءل عن سبب انخراط الرئيس دونالد ترامب وحاشيته في دعم إسرائيل بشكل مُطلق، إلى حدّ أنّ رموز حركة «ماغا» الداعمة له، مثل الصحافي تاكر كارلسون، بدأت في «انتقاد انبطاح إدارة بلادهم أمام رغبات دولة صغيرة في علاقة غير منطقية». وبينما يعود عمل «أيباك» ونفوذها على الإدارات الأميركية المتلاحقة إلى عقود من الزمن، فإنّ «تراك أيباك» استطاع فضح عمل هذا اللوبي بشكل غير مسبوق، إذ ينشر الموقع بشكل مُفصّل علاقة السياسيين بـ «أيباك»، بالإضافة إلى تقديم محرّك بحث للمستخدم يستطيع من خلاله استطلاع خلفيّة أي مرشّح وارتباطه باللوبيات.
وعلى سبيل المثال، يستعرض الموقع بالتفصيل نفوذ إسرائيل على الإدارة الأميركية الحالية، حيث يبدأ برأس الهرم دونالد ترامب، الذي تلقّى أكثر من 230 مليون دولار منذ عام 2020 من قبل الجماعات الداعمة لإسرائيل. أمّا نائبه، جيمس ديفيد فانس، فعدا التمويل المباشر لحملاته الانتخابية من اللوبي الإسرائيلي، أنفق داعمه ومرشده، بيتر ثيل، 15 مليون دولار لتمويل حملاته الانتخابية لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي في ولاية أوهايو عام 2022. مع العلم أنّ ثيل شارك في تأسيس شركة «بالانتير تكنولوجيز» التي تعمل في تطوير البرمجيات بدعم من «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية، وسبق أن وافقت في كانون الثاني (يناير) 2024 على شراكة استراتيجية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لمساعدتها في تحديد قوائم اغتيال الفلسطينيين في غزة.
ويستعرض الموقع بقية صقور الإدارة الأميركية الحالية مع تاريخهم اللّصيق باللوبيات الإسرائيلية، بدءاً من وزير الحرب بيت هيغسيث، ووزير الخارجية مارك روبيو، وغيرهم من صنّاع القرار، بما يُجيب على أسئلة الشارع الأميركي حول أحد الأسباب الرئيسية للعلاقة الغريبة بين صانعي سياسات البلاد وتل أبيب.

