
الحقيقة أنّ قضية هذا الشرير لم تغب يوماً عن الشارع الأميركي، وخصوصاً داخل تيار الرئيس دونالد ترامب المعروف بـ«ماغا». ورغم محاولات الرئيس ووزيرة العدل بام بوندي، ومدير الـFBI كاش باتل، إغلاق الملف ودفنه في طيّ النسيان، فإنّ بعض الأسرار في هذا العالم تأبى إلا أن تظهر.
منذ ولاية ترامب الأولى، نشأت داخل قاعدته الشعبية الأكثر تشدداً حركة تُعرف باسم «كيو أنون» QAnon، تروّج لقصة مؤامرة خفية من العيار الثقيل لا تضاهيها أي جرعة مخدّر. تقول الرواية إنّ «الدولة العميقة» ما هي إلا جماعة سرّية تمارس طقوساً شيطانية وتستخدم الأطفال وقوداً لها، وإنّ ترامب جاء في مهمة لتفكيكها والقبض على المتورّطين فيها بالتعاون مع ضابط استخبارات سرّي.
ووفقاً لاستطلاع أجراه معهد أبحاث PRRI في مطلع عام 2022، قال نحو ربع الجمهوريين إنهم يؤمنون بنظريات حركة «كيو أنون». ومع انكشاف فضيحة جزيرة إبستين وموته في السجن، الذي خلص التحقيق إلى أنه انتحار في عام 2019، تقاطع الواقع مع نظرية المؤامرة بالنسبة إلى كثيرين.
وخلال حملة ترامب الانتخابية لولايته الثانية، وعد قاعدته بالكشف عن لائحة زبائن إبستين، وإظهار الملفات كلها في حال صار رئيساً. بعد فوز ترامب وتنصيبه رئيساً مطلع العام الحالي، حمل صقوره قضية إبستين إلى الواجهة.
صرّحت وزيرة العدل بام بوندي بأنّ الملف «على مكتبها»، وأنها تنتظر الضوء الأخضر لنشره، وهو ما ردّده أيضاً مدير الـFBI كاش باتل. غير أنّ ما تلا ذلك كان سلسلة من التأجيل والمماطلة انتهت بنشر ملفّ مجتزأ لم يُشبع توق قاعدة ترامب إلى الحقيقة. لكنّ ما أثار غضبهم فعلاً كان تصريح الرئيس نفسه بأنّ ملف إبستين انتهى وأُغلق، وأنّ الأمر كله «خدعة» ضخّمها الحزب الديموقراطي للنيل من إدارته.
منذ ذلك الحين، ظلّ الشارع يغلي، فيما امتلأت التعليقات على منشوراته بمطلب واحد متكرّر: الكشف عن الملف كاملاً.
لماذا الآن؟
ظهور وثائق جيفري إبستين الأخيرة كان نتيجة سلسلة من التفاعلات القانونية والسياسية داخل واشنطن. بعد انتهاء القيود القضائية على أرشيف إبستين في صيف 2025، أطلقت الكتلة الديموقراطية في مجلس النواب مبادرة تشريعية بعنوان «قانون شفافية ملفات إبستين» لإجبار وزارة العدل على الكشف الكامل عن الوثائق.
ولأنّ القيادة الجمهورية كانت قد رفضت إدراج المشروع على جدول الأعمال، قدّم الديموقراطيون عريضة الإحالة القسرية التي تتيح تجاوز رئيس المجلس وإجباره على طرح التصويت متى بلغ عدد التواقيع 218، وهو الحد الأدنى للغالبية المطلقة في مجلس النواب (من أصل 435 نائباً).
حتى نهاية أيلول (سبتمبر)، كان عدد التواقيع متوقفاً عند 217 في انتظار النائبة الديموقراطية الجديدة أدليتا غريخالڤا، لكن رئيس المجلس الجمهوري مايك جونسون جمّد أداء قسمها لأكثر من شهر، مستغلّاً تعيينها ليكون ورقة تفاوض في معركة الموازنة الفدرالية التي كانت تهدّد بدخول الحكومة في شلل فعلي.
خلال تلك المرحلة، انتقلت معركة التمويل من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ، إذ أدّى الإغلاق الحكومي الذي بدأ في أواخر أيلول (سبتمبر) إلى شللٍ استمرّ أربعين يوماً. وفي العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، تمكّن الجمهوريون من تحقيق اختراق بعد انضمام ثمانية أعضاء من مجلس الشيوخ الديموقراطيين، من بينهم ديك دوربن وتيم كاين، إلى صفّهم في تصويتٍ إجرائيّ مهّد لإقرار مشروع تمويلٍ موقّت يفتح الحكومة حتى 30 كانون الثاني (يناير) المقبل.
69% من الأميركيين يعتقدون أنّ إدارة ترامب تُخفي
معلومات عن إبستين
ورغم أن الاتفاق جاء محدوداً في مدّته وأثره، فإنّ نتائجه السياسية كانت أوسع: بعد التصويت مباشرة، اضطرّ جونسون إلى السماح بأداء قسم النائبة الديموقراطية الجديدة أدليتا غريخالڤا، التي كان يجمّد تعيينها.
وما إن أدّت القسم، وقّعت غريخالڤا على العريضة، فارتفع عدد التواقيع إلى 218، ما حوّلها إلى إجراء مُلزِم قانونياً لرئيس المجلس. بعدها بأيام، أُحيل المشروع إلى لجنة الرقابة، التي صوّتت بغالبية 14 مقابل 10 على رفع الحجب، لتبدأ عملية النشر الرسمي لوثائق إبستين في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.
مضمون الوثائق
خرجت لجنة الرقابة في الكونغرس الأميركي بواحد من أكبر التسريبات السياسية في العقد الأخير، إذ كشفت أكثر من ثلاثةٍ وعشرين ألف رسالة ووثيقة من أرشيف إبستين.
في الوثائق الجديدة المؤرّخة بتاريخ نيسان (أبريل) 2011، كتب إبستين إلى غيلين ماكسويل (مساعدته التي تقضي حالياً حكماً بالسجن) يصف ترامب بـ«الكلب الذي لم ينبح بعد»، أي الاسم الذي لم يظهر في التقارير والهمسات التي بدأت تتكاثر منذ إعادة نبش قضيته بعد صفقة الإقرار بالذنب في فلوريدا عام 2008، وما تلاها من تشكيك إعلامي وقضائي بين عامَي 2009 و2011.
أشار إبستين في الرسالة إلى «فتاة» أمضت ساعات في منزله مع ترامب (تتداول وسائل إعلام اسم فيرجينيا جيوفري، غير أنّ الوثائق لا تذكر اسماً). ثم ردّت ماكسويل بأنها «تفكّر في ذلك»، أي إنها تتساءل بدورها عن سبب بقاء اسم ترامب خارج دائرة الأسئلة في ذلك الوقت.
بعد ذلك، بعث إبستين في كانون الثاني (يناير) 2019 رسالة إلى الكاتب مايكل وولف قال فيها إنّ ترامب «كان يعلم بشأن الفتيات» وطلب من ماكسويل أن تتوقّف (يقصد بذلك، وفقاً للتحليلات، أن تتوقّف عن ترتيب لقاءات تجمعه بإبستين).
لاحقاً، تبادل إبستين ووولف مراسلات حول الطريقة التي يجب أن يردّ بها ترامب على أسئلة شبكة «سي. أن. أن» بشأن علاقتهما. اقترح وولف أن يدعه «يُشنق بكلامه»، أي أن يتركه ينكر معرفته أو لقاءاتهما السابقة، لأنّ هذا الإنكار، في حال ثبوت العكس لاحقاً عبر الصور أو السجلات، سيُظهر ترامب كاذباً ويمنح إبستين ورقة ضغط سياسية وإعلامية يستخدمها ضده عند الحاجة.
رسالة أخرى، يمكن وضعها في خانة الغرابة الشديدة، من مارك إبستين (أخ جيفري) في آذار (مارس) 2018، يكتب فيها لجيفري: «اسأله إذا كان لدى بوتين صور لترامب وهو blowing Bubba؟». ويُقصد بـBubba اللقب الشائع للرئيس الأسبق بيل كلينتون.
المقصود تلميح فظ إلى صورة مُحرِجة لترامب مع كلينتون، وهو ما دفع مستخدمي الإنترنت على مختلف منصّات التواصل إلى إطلاق وسم «دونيكا لوينسكي»، في تلاعب ساخر باسم مونيكا لوينسكي، الموظفة السابقة في البيت الأبيض التي اشتهرت بفضيحتها الجنسية مع كلينتون في التسعينيات. استخدم الناس الاسم الجديد للسخرية من احتمال تورّط ترامب في فضيحة مشابهة. وربط المستخدمون بين تسمية الرئيس ترامب موازنته Big Beautiful Bill وبين بيل كلينتون.
علماً أنّ الوثائق لا تُثبت وجود أي صورة، وتبدو العبارة تهكّمية أو تشكيكية أكثر من كونها معلومة مؤكدة.
هزّت هذه الرسائل رواية البيت الأبيض، التي ظلّت تؤكد على أنّ علاقة الرئيس ترامب بجيفري إبستين كانت هامشية وقديمة. خرجت المتحدثة باسم الإدارة كارولين ليفيت لتصف الوثائق بأنها «سردية مفبركة» دبّرها خصوم سياسيون داخل الكونغرس، وقالت إنّ الضحية فيرجينيا جيوفري، التي انتحرت مطلع العام، لم تتهم الرئيس يوماً بأي فعل إجرامي، ما يعني أنّ المراسلات لا تحمل دليلاً قانونياً.
ورغم محاولات لملمة الفضيحة، فإنّ الشارع الأميركي في مكان آخر. إذ سبق أن أظهر استطلاع مشترك أجرته وكالتا «رويترز» و«إبسوس» في تموز (يوليو) أنّ 69 في المئة من الأميركيين يعتقدون أنّ إدارة ترامب تُخفي معلومات عن عملاء إبستين، فيما لم يوافق سوى 17 في المئة على طريقة تعامل الرئيس مع القضية. وأكد استطلاع آخر لمجلّة «إيكونوميست» ومؤسسة «يوغوف» أنّ ثلاثة أرباع الأميركيين يريدون نشر ملفات إبستين كاملة، بمن في ذلك الغالبية من الجمهوريين والمستقلين.
ماذا بعد؟
تظهر المؤشرات أنّ المشروع سيحصل على دعم إضافي من نواب جمهوريين لم يوقّعوا على العريضة الأصلية. ومع هذا التوسّع في التأييد، يُتوقّع أن يحصد القانون عشرات الأصوات الإضافية في الجلسة العامة في الأسبوع الجاري.
أما العقبة الأصعب فستكون في مجلس الشيوخ، حيث يملك الجمهوريون غالبية 53 مقعداً مقابل 47 للديموقراطيين، بينما يتطلّب تمرير المشروع نهائياً 60 صوتاً على الأقل لتجاوز التعطيل الإجرائي (المعروف بالـ«فيليبستر»).
ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، عندما سُئل زعيم الغالبية في المجلس جون ثيون عن احتمال طرح المشروع في الشيوخ إذا أقرّه النواب، قال إنّه «لا يستطيع التعليق في الوقت الحالي»، مضيفاً أنّ وزارة العدل نشرت بالفعل عدداً كبيراً من ملفات القضية، وأنّه يثق بقدرتها على نشر ما يمكن من دون الإضرار بحقوق الضحايا.
وفي حال مرّ المشروع من مجلس الشيوخ، سينتقل إلى الرئيس دونالد ترامب، الذي من المرجّح أن يستخدم حق النقض (الفيتو) ضده. عبّر ترامب بوضوح عن رفضه للعريضة منذ البداية، واتصل شخصياً باثنين من النواب الجمهوريين الموقّعين لمحاولة إقناعهما بالانسحاب.
وكتب على منصته «تروث سوشال»:«الديموقراطيون يحاولون إعادة فتح قضية إبستين الكاذبة لأنّهم سيفعلون أي شيء لصرف الأنظار عن فشلهم في إدارة أزمة الشلل الحكومي وغيرها من القضايا. الجمهوري العاقل لن يقع في هذا الفخّ».
ويستطيع الكونغرس تجاوز فيتو الرئيس فقط إذا حصل على ثلثي الأصوات في المجلسين.
وجد ترامب نفسه أمام خيارين صعبين: إمّا توقيع القانون والمجازفة بخروج كل ما تحويه الملفات، أو استخدام الفيتو وتحمّل تهمة إخفاء الحقيقة أمام الناس. ولتفادي هذا المأزق، طلب الرئيس من وزيرة العدل الأميركية بام بوندي فتح تحقيقات إضافية في ملف جيفري إبستين، تتركّز على علاقاته بمسؤولين ديموقراطيين بارزين وبمؤسسات مالية كبرى. خطوةٌ من شأنها تعليق نشر الوثائق موقتاً، لأنّ وجود تحقيق جارٍ يمنح وزارة العدل حقّ حجب الوثائق إلى حين اكتماله.

