مسيرة الحمرا: المقاومة حقّ... والتطبيع لن يمرّ!
شهد شارع الحمرا أمس مسيرةً حاشدة ضد الاحتلال، رفعت خلالها عائلات الأسرى صور أبنائها. تلاقت أصوات الصحافيين والناشطين والسياسيين والفنانين على هتاف واحد: رفض العدوان. مسيرة دعت إلى وحدة اللبنانيين، وضرورة مواجهة التطبيع، ورفع قضية الأسرى إلى الواجهة من جديد


بين مئات المتظاهرين، كانت هناك امرأة باكية تحمل صورةً لشاب، هو الأسير علي عساف، الذي اعتقله الاحتلال في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 في عيتا الشعب (جنوب لبنان). ومعها رفع أهالي الأسرى صور أبنائهم، وتوزعوا على المسيرة التي قطعت شارع الحمرا أمس.
حضر المسيرة عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية والفنية، إضافةً إلى الأسير المحرر جورج إبراهيم عبدالله. حضروا على اختلاف عقائدهم وأفكارهم، «لنهتف ضد إسرائيل»، كما قال أحد المشاركين. حمل المتظاهرون الأعلام اللبنانية، فيما شارك وفد من «الحزب السوري القومي الاجتماعي» رافعاً أعلامه، ورفع آخرون أعلام فلسطين وشعارات كتب عليها «لن نركع»، مع صورة «حنظلة» ناجي العلي، و«سمع الله من قال: غزة»، و«من المخيم إلى الضاحية، من البقاع والجنوب إلى غزة، دمنا واحد، مصيرنا واحد»، و«مقاومة الاحتلال معركة كل شعب بكل طوائفه، فإما أن ننتصر جميعاً، أو يقتلونا فرادى». شعارات تعكس ما أراد المنظمون قوله، هو أنّ الحرب هي على كل لبنان وليس فئة محددة، وأن المواجهة تعني الجميع.
جورج ابراهيم عبدالله: لاسقاط مشروع التطبيع
استهلّت المسيرة بالنشيد الوطني وبكلمة المنظمين التي ألقاها الإعلامي فراس خليفة، قال فيها: «عام مرّ على إعلان وقف إطلاق النار، لكن لبنان ما زال يتعرّض لانتهاكات إسرائيلية مستمرة تشمل الاحتلال المباشر لأراضٍ لبنانية، توسّعاً معلناً، تدمير قرى جنوبية، واعتداءات متكررة تطال السكان والمقاومين، إضافة إلى استمرار احتجاز مواطنين لبنانيين في سجون الاحتلال».
وأضاف: «أمام هذا الواقع، أعلن جمعٌ من المواطنين والصحافيين والناشطين من بيروت، وتحديداً من شارع الحمرا، عن إطلاق مبادرة مستقّلة لرفع الصوت ضد العدوان والتأكيد على حق المقاومة وفق المواثيق الدولية، مع مطالبة الحكومة بتحمّل مسؤولياتها في حماية الناس ومساندة المتضررين». ودعا البيان اللبنانيين إلى الوحدة وتجاوز الانقسامات لمواجهة الخطر المشترك، معلناً عن انطلاق مسيرة شعبية في الحمرا تحت شعار: «من بيروت للجنوب... شعب واحد ما بيموت».
-
(هيثم الموسوي)
قبل انطلاق المسيرة، ألقى المناضل جورج عبد الله كلمة حيّا فيها المناضلين خارج الأطر التقليدية للأحزاب، لأنهم «يعبرون تعبيراً صادقاً عما يعتمر قلب أي مناضل في لبنان وفلسطين ودنيا العروبة». وشدّد على أنّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في عين الحلوة وضاحية بيروت الجنوبية تؤكد على أنّ مواجهة التطبيع هي الخطوة الأولى لكلّ وطني.
ورأى أنّ هوية لبنان الوطنية ترتكز على وضوح موقفه من المقاومة المسلّحة بكل مكوناتها، باعتبارها الدرع الأساسي للسيادة ومصدر الشرعية. وأكّد أنّ الجيش والمقاومة معاً يشكلان جبهةً واحدةً في مواجهة مشاريع التطبيع المدعومة من قوى عربية رجعية انتقلت إلى صف إسرائيل والولايات المتحدة.
واعتبر عبدالله أنّ «جماهير شعبنا قادرة على إسقاط التطبيع رغم الضغوط المقبلة، وأنّ صمود المقاومة في لبنان هو مقدمة لحراك عربي أوسع داعم للمقاومة في لبنان وفلسطين». ودعا كل الأحزاب الوطنية إلى الالتفاف حول المقاومة بلا شروط، مؤكداً على أنّ لبنان يشكل اليوم عنواناً للكرامة العربية ومساراً مقاوماً في وجه الاحتلال والضغوط الإقليمية.
تظاهرة ضد تخاذل الدولة
وعلى وقع الأغاني والأناشيد الوطنية، ردّد المتظاهرون هتافات «شعب، عمّال، ضد الاحتلال»، و«خيارنا المقاومة»، و«من بيروت للجنوب، شعب واحد ما بموت/ من البقاع لبيروت، شعب واحد ما بموت/ من الضاحية لبيروت، شعب واحد ما بموت/ من غزة لبيروت، شعب واحد ما بموت». وخلال المسيرة، انضم الناس إلى المحتجين، فيما تفرّج آخرون من شرفات منازلهم ومن أمام المحال التجارية، وبكى بعضهم تأثراً عند ذكر السيد حسن نصرالله.
التظاهر هو حقّ حضاري للتعبير عن رأي الناس عندما يشعرون أنّ الحكومة والوزارات لا تؤدي واجباتها، وفق ما يقول أحد المنظمين، الصحافي خليل حرب، في حديث معنا، موكداً على أنّ هذه التحركات تذكير بالثوابت الوطنية مثل تحرير الأرض، والمقاومة، وقضية الأسرى والمخطوفين.
دعوة إلى ضبط الخطاب
الإعلامي التحريضي
وأوضح أنّ التحرك موجّه ضد السلطة السياسة، وهو ردّ فعل على ضعف أداء وزارتي الخارجية والإعلام في التعامل مع القضايا الوطنية، ودعوة لتوحيد الخطاب الوطني ومواجهة خطاب الفتنة. وأكد على ضرورة الاتفاق على أنّ إسرائيل هي العدو، وأنّ الأسرى هم أولادنا، وأنّ ما قامت به إسرائيل هو جريمة حرب.
وأضاف أنه رغم أنّ التحرك لا يمثل إطاراً سياسياً منظماً، إلا أنّه إذا استدعت الحاجة، قد تُنظّم تحركات أخرى في مختلف المناطق. وقد اختير شارع الحمرا مكاناً للتحرك لأنه يشكل رمزاً للثقافة والمقاومة والتنوع في لبنان، و«لطالما شكّل حاضنة لكل شرائح المجتمع اللبناني على مختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والطبقية».
رفع قضية الأسرى إلى الصليب الأحمر
حملت المسيرة قضية الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وأكدت والدة الأسير علي عساف وابنة عم الأسير هادي عساف في حديث معنا أنّه لم يتم التواصل معهما من قبل أي طرف من السلطة اللبنانية، ولا حتى الصليب الأحمر، وطالبت المسؤولين وجميع المعنيين بالتدخل لحلّ قضية أولادهم، وقالت: «نحن لبنانيون ومن حقّنا معرفة أي تفصيل عن أولادنا، نريد الاطمئنان بأي خبر عنهم».
وبعد انتهاء المسيرة، توجه المنظمون إلى مركز الصليب الأحمر الدولي لتسليمهم لائحة بأسماء الأسرى، مع تفاصيل عنهم وتاريخ ومكان اعتقالهم، للمطالبة ببذل الجهد للتحقق من أماكن وجودهم وظروف اعتقالهم، وتأمين تواصل مباشر معهم، والكشف عن مصير المفقودين منهم، والعمل على إطلاق سراح من يمكن تحريره.
وتضم اللائحة الأسرى المختطفين بعد إعلان وقف إطلاق النار منذ عام: علي ناصر يونس (الهرمل، 1992) الذي اختطف مع خاله فؤاد حبيب قطايا (القصر، 1982)، وحسين أمين كركي (خربة سلم، 1989) وحسن أحمد حمود (الطيبة، 1985)، وعلي حسان ترحيني (جبشيت، 2006) (الناقورة، 1991)، وعلي محمد فنيش (العروب، 1990)، ومرتضى حسن مهنا (1983)، وماهر فارس حمدان (سبعا، 1994)، وحسن يوسف قشقوش (1986). أما المختطفون قبل إعلان وقف إطلاق النار، فهم: قبطان سفينة شحن عماد فاضل أمهز (الكواخ، 1986) الذي خُطف من شقة سكنية في البترون في عملية كوماندوس، والممرض محمد عبد الكريم جواد (عيتا الشعب، 1994).
أما الذين أسروا أثناء الدفاع عن بلداتهم، فهم: إبراهيم منيف الخليل (عيتا الشعب، 1990)، ويوسف موسى عبدالله (البابلية، 1986)، وحسين علي شريف (اليمونة، 1990)، ووضاح كامل يونس (حولا، 1971)، وحسن عقيل جواد (عيتا الشعب، 1987)، وهادي مصطفى عساف (الديابية، 1990)، وعبدالله خضر فهدة (القصر، 2002)، وعلي قاسم عساف (الهرمل، 1999). وهناك معلومات جديدة عن مسعف يُرجح اختطافه هو علاء فارس، الذي فقد مع حسن قشقوش، ويرجح أنه اختطف معه بناءً على شهادات أسرى محررين، وحسن بن جرمي وهو فلسطيني من مخيم البرج الشمالي.
نداء مسيرة الحمرا
وفي ختام المسيرة، وجه المنظمون «نداء مسيرة الحمرا»، في ذكرى الاستقلال ومرور عام على إعلان وقف الأعمال العدائية. وووجه البيان نداءً للبنانيين للتوحد وتجاوز الانقسامات الطائفية في مواجهة الأخطار الإسرائيلية المستمرة. وأكّد على حق لبنان، دستوراً وقانوناً دولياً، في الدفاع عن أرضه ورفض التخلي عن أي جزء منها، وعلى ضرورة رفض تخلّي المنظومة عن مسؤولياتها في الإعمار وقضايا الأسرى والاعتداءات اليومية وحماية الموارد وحق المقاومة.
وساءل البيان الحكومة عن أدائها في مواجهة الخروقات الإسرائيلية، ودعاها إلى التعامل مع المرحلة بدقة، وضبط الخطاب الإعلامي التحريضي، وعدم تنفيذ إملاءات الخارج من عقوبات أو سياسات تمسّ المواطنين. كما رفض الخطاب الاستعماري الذي ينتقص من تضحيات اللبنانيين. ودعا ختاماً قداسة البابا لزيارة الجنوب دعماً لصمود أهله والتأكيد على أنّ لا سلام مع الاحتلال.
