الإعلام اللبناني يلهث وراء «الصيد الإسرائيلي»!

تكشف تغطية اعتداء حارة حريك مساء الأحد حجم التراجع المهني والارتهان في الإعلام اللبناني: لقد تحوّل البث العاجل إلى منصة لفرض الرواية الإسرائيلية وتضخيم «الهدف» المزعوم على حساب حقيقة الاعتداء وحياة المدنيين. بين التهويل والأخبار المفبركة، برز خطاب يبرّر العدوان ويعكس أزمةً عميقةً في مسؤولية الإعلام ودوره
حالما شنّ الكيان الصهيوني عدوانه على حارة حريك أول من أمس الأحد، حتّى انتقل الإعلام المحلّي والعربي إلى النقل المباشر وبثّ الأخبار العاجلة، بعكس عادته عندما يتجاهل الاعتداءات على الجنوب والبقاع.
فجأة الاعتداء يستحقّ التغطية!
للوهلة الأولى، قد يظنّ المراقب من بُعد أنّ الإعلام يعطي هذه الأهمّية في تغطيته كون الاعتداء وقع قرب العاصمة. لكنّ لدى التمحيص، يتبيّن أنّ السبب لا يختلف البتّة عن ذاك الذي أيقظ الإعلام العبري كذلك: الادّعاء الصهيوني الذي ينتشر كالبرق عن استهداف قيادي عسكري في «حزب الله».
بالنسبة إلى غالبية الإعلام المحلّي والعربي، لا يهمّ الدمار، ولا تهمّ حياة البشر، ولا تهمّ السيادة التي يتبجّح السياسيّون بها... المهمّ فقط «الصيد الإسرائيلي» كما وصفته قناة «الحدث»، التي حدّدت هوية المستهدف باكراً مستندةً إلى «مصادر إسرائيلية» تحدّثت إليها وفقاً لما ادّعت. أمّا الخوف من «التصعيد»، فلا يأتي سوى إذا ردّت المقاومة على الاعتداءات، وفقاً لقناة «الجديد» التي نشرت خبراً نسبته إلى «معلوماتها» ومفاده: «لجنة الميكانيزم تبلّغت بأنّ اغتيال إسرائيل لن يشكل تصعيداً إلّا إذا ردّ عليه «حزب الله»».
-
بالنسبة إلى غالبية الإعلام المحلّي والعربي، لا تهمّ حياة البشر. المهمّ فقط «الصيد الإسرائيلي»
من جهة أخرى، كان هناك بثّ للرواية الإسرائيلية التي ادّعت وجود عملاء على الأرض نقلوا الإحداثيّات لمسؤولي كيان الاحتلال، من دون تأكّد من دقّة الخبر ولا حتّى استخدام عبارات مثل «الادّعاء» أو «الزعم». وفي مقدّمة نشرة أخبارها مساءً، اعتبرت mtv أنّ الاعتداء حصل باستخدام «ثمانية صواريخ فائقة الدقّة»، ثمّ أوردت في تقرير لاحق أنّ السلاح المستخدم GBU-39 أميركي الصنع ومن ميزاته إنتاج «انفجار مضبوط موجّه نحو الهدف وليس عشوائيّاً».
أخبار كاذبة
الأنكى من ذلك كلّه، كان انتشار الأخبار الكاذبة، مثل تصريح مزعوم لمسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا، ردّده بشكل ببّغائي إعلام محلّي وعربي وشخصيّات سياسية وإعلامية قبل التأكّد من صحّته. وأتى الخبر المفبرك على النحو الآتي: «وفيق صفا لقناة «المنار»: «حزب الله» وحده الآن مَن يحدّد كيفية الردّ لا حكومة لبنانية ولا غيرها».
المشكلة لم تكن في صحّة الخبر من عدمها، بل في كون الخبر يهدف إلى التهويل وبثّ الرعب في نفوس الناس، وأكثر من ذلك تصوير المقاومة على أنّها سبب التصعيد، وهو ما ذهبت إليه mtv على سبيل المثال في الترويج لسردية أنّ نزع سلاح المقاومة سيوقف الاعتداءات ولاقتها في ذلك جوقة من الإعلاميّين والسياسيّين، وكأنّ «إسرائيل» ليست معروفة بالانتقام من القويّ والضعيف على حدّ سواء.
الأهمّ أنّ سرعة انتشار الخبر المفبرك، بالإضافة إلى آخر أظهر صورة خاطئة للشهيد هيثم علي الطبطبائي بعد اعتماد ناشريها على مركز «آلما» الصهيوني للأبحاث، فضح وسائل إعلام وإعلاميّين يدّعون دوماً العفّة ويحاضرون حول التأكّد من دقّة الخبر، فيما ينشرون كلّ ما يظهر أمامهم من دون التأكّد من صحّته طالما يخدم أجندتهم.
تبرير الاعتداء
كذلك، تولّى بعض الإعلام العربي واللبناني التركيز على كون الشهيد مطلوباً أميركيّاً، واستغلال ذلك من أجل تصويره على أنّه «إرهابي». وفي ذلك أوّلاً نزع الإنسانية عن المقاومين وتبرير استهدافهم بما يتعارض مع اتفاقية جنيف التي تحظّر استهداف العسكريّين خارج ساحات القتال وأيضاً إذا كانوا محاطين بمدنيّين، وثانياً تبرير للاعتداء على منطقة سكنية وتناسي وجود مدنيّين يهمّون بحيواتهم اليومية، وثالثاً إسباغ شرعية على ما يصدر عن الولايات المتّحدة، كأنّها لا تعمل بلا كلل ضدّ مصالح شعوب المنطقة برمّتها.
التصعيد حاصل
أتى يوم الأحد ليؤكّد للجمهور أنّ التصعيد الصهيوني متواصل ولو اختلفت المنطقة، وأنّ الإعلام جزء من هذا التصعيد. لم نعد نتحدّث هنا عن إعلام غربي ينشر سردية الاحتلال، بل إعلام محلّي يحاول تسميم عقول اللبنانيّين بما هو أسوأ أضعافاً.

