غرف أخبار تأتيكم بالـ Fake news
في ساعات قليلة فقط، تحوّلت غرف الأخبار إلى مصانع Fake News: صور مغلوطة تُنشر كحقائق، تصريحات مفبركة تُبنى عليها مواقف سياسية


في ساعات قليلة فقط، تحوّلت غرف الأخبار إلى مصانع Fake News: صور مغلوطة تُنشر كحقائق، تصريحات مفبركة تُبنى عليها مواقف سياسية، ورواية إسرائيلية تُتَبنّى بلا تردد. ما حدث بعد اعتداء حارة حريك فضح انهيار المهنية، وعرّى إعلاماً يفضّل السرعة والضجة على الدقة والمسؤولية
كشفت الساعات الأولى التي تلت الاعتداء الإسرائيلي على محلة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية عن سلسلة من الانزلاقات الإعلامية الصارخة التي عكست حالة من التسرّع والارتجال في تغطية الحدث، بعيداً من أبسط قواعد التحقق الصحافي والمهنية التحريرية.
اجتاحت المشهد موجة من الأخبار العاجلة والمعلومات غير المدققة. واللافت أنها لم تقتصر على منصات التواصل الاجتماعي، بل تسلّلت هذه المرة إلى مؤسسات إعلامية يُفترض أنها تلتزم بالموضوعية وتتحلى بالحد الأدنى من المعايير المهنية.
تبنّي الرواية الإسرائيلية وتداول صورة مغلوطة
أول مظاهر الانحدار تمثلت في تبنّي عدد من الوسائل الإعلامية والصفحات الإلكترونية رواية الإعلام العبري حول هوية المستهدف، قبل صدور أي بيان رسمي عن «حزب الله» أو حتى قوات الاحتلال. وسرعان ما انتشرت صورة نُسبت زوراً إلى الشهيد القائد أبو علي الطبطبائي، وتداولتها منصات بارزة مثل «العربية»، و«الحدث»، و«المشهد»، و«الجديد»، و«بيروت تايم»، رغم أن الصورة ذاتها سبق أن استخدمها الإعلام الإسرائيلي خلال العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان العام الماضي، عقب محاولة اغتيال الطبطبائي، أي إنها المرة الثانية التي يناور بها العدو الإسرائيلي واعلامه بالصورة نفسها.
المفارقة أن صاحب الصورة لا يتجاوز الخمسين من العمر، بينما وُلد الطبطبائي عام 1968، ما يفضح التناقض البصري، وقد حسم الإعلام الحربي التابع لـ «حزب الله» الجدل بنشر صورة رسمية للشهيد في بيان نعيه، ما أكّد أنّ الصورة المتداولة لا تمتّ له بصلة، وأن الشخص الظاهر فيها لا علاقة له بالحادثة. هذه الواقعة كشفت عن غياب صارخ لآليات التحقق، واستسهال الاعتماد على تداولات غير موثوقة بدلاً من الرجوع إلى مصادر رسمية أو بيانات موثقة.
ويُشار إلى أنّ صاحب الصورة المغلوطة سبق أن ظهر في مناورة عسكرية لـ «حزب الله»، أثناء تسليم الشهيد السيد هاشم صفي الدين بندقية حربية، ما يجعل من غير المنطقي أن يعرض الحزب بهذه الطريقة أحد أبرز القياديين، في تناقض واضح مع نهجه السري في العمل الجهادي والأمني. ورغم انكشاف الخطأ، امتنعت بعض الوسائل عن الاعتذار أو تصحيح الخبر، في تجاهل فاضح لأخلاقيات
المهنة.
تصريحات مفبركة منسوبة لصفا
في سياق متصل، انتشرت تصريحات مزعومة نُسبت إلى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله»، الحاج وفيق صفا، وقدّمت على أنها مقابلة رسمية عبر قناة «المنار»، مفادها أنّ «حزب الله وحده يقرر كيفية الرد، لا الحكومة اللبنانية ولا غيرها». لكن سرعان ما تبيّن أن التصريحات مفبركة بالكامل، إذ لم يدلِ صفا بأي حديث إعلامي.
اللافت أن بعض المؤسسات الإعلامية تعاملت مع هذه الأقوال الملفقة كأنها تصريحات موثقة، من دون بذل أي جهد للتحقق أو التواصل مع مصادر مباشرة، ما أدى إلى تضليل الجمهور وبناء قراءات سياسية على كلام لم يصدر أساساً.
ورغم نفي المقربين من الحزب لهذه الادعاءات، استمرت صفحات وحسابات في تداولها كأنها حقيقة، لتتوالى التعليقات السياسية، أبرزها رد رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» سامي الجميل عبر منصة «أكس»، قائلاً: «ليش أي متى سألتوا رأي الحكومة؟ انتو بس بتجرّوا الموت والدمار عالبلد وبتطلبوا منها تنضّف وراكم»، ما خلق سجالاً سياسياً مبنياً على وهم إعلامي.
أظهرت التغطية أنّ جزءاً من الإعلام المحلي والإقليمي تعامل مع الحدث بمنطق «السبق الصحافي» لا «الدقة المهنية»، ما أدى إلى نشر معلومات مغلوطة وصناعة واقع إعلامي مشوّه. وتبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمعايير التحقق والتدقيق، خصوصاً في الأحداث الأمنية الحساسة التي لا تحتمل العبث بالمعلومات أو التسرّع في التوصيف.
