الأخوان تافياني... سينما الفلّاحين والمهزومين!
يعدّ الأخوان باولو وفيتوريو تافياني من أبرز أعمدة السينما الإيطالية، جمعا بين الوعي المدني وقوة السرد البصري على مدى أكثر من خمسة عقود.


يعدّ الأخوان باولو وفيتوريو تافياني من أبرز أعمدة السينما الإيطالية، جمعا بين الوعي المدني وقوة السرد البصري على مدى أكثر من خمسة عقود. الاستعادة التي تستضيفها «متروبوليس» في بيروت، تقدّم للمشاهد ستّ محطات أساسية من مسيرتهما. إنّها فرصة نادرة لمشاهدة سينما تمزج بين التاريخ والخيال، وتبقى حاضرة بقوة اليوم
في شوارع إيطاليا التي كانت تتقلّب بين الحلم والخيبة، كان باولو تافياني (1931 – 2024) وفيتوريو تافياني (1929 – 2018)، يسيران جنباً إلى جنب كمناضلين يساريين يلاحقان ظلّ بلد يتغيّر أمام أعينهما. وحدهما بقيا متشبثين بالتفاؤل. في إحدى الأمسيات، حضر بازوليني عرضاً خاصاً لأحد أفلامهما. جلس، شاهد، ثم نهض وغادر القاعة. لم يكتف بالصمت، بل واجههما قائلاً: «تفاؤلكما أكثر مأساويةً من تشاؤمي». بعد أيام قليلة، مات بازوليني.
كان الأخوان منخرطين بعمق في الفكر الماركسي والبريختي، يبحثان عن طرق جذرية لتقديم الحياة البشرية. يتنقّل أسلوبهما بين السرد الواقعي والحكاية، يقترب أحياناً من الحلم والواقعية السحرية، وأحياناً من الرمز، مستلهماً نَفساً أدبياً من بيرانديللو وبوكاتشيو وغوته. ورغم أنهما يعتبران الواقعية الجديدة بمنزلة «أب عزيز»، بمعنى أنها هي التي صنعت شخصيتهما السينمائية، إلا أنهما سعيا دوماً إلى تجاوزها.
بدأت مسيرتهما في النقد السينمائي، ونوادي السينما، فأسّسا عام 1950 «مسرح مروناكا» أو المسرح الطليعي، المخصص لعمّال ميناء بيزا، حيث نوقشت همومهم. دائماً ما اهتما بالقضايا الاجتماعية، التي تناولاها مدفوعين بوعيهما الماركسي كعضوين في الحزب الشيوعي الإيطالي.
-
يصوّر فيلم «ليلة سان لورينزو» مذبحة كاتدرائية سان مينياتو عام 1944
أفلامهما في الغالب تُبرز تجربة الفلاحين، مثل فيلم «الأب السيّد» الذي عرضته «متروبوليس» أمس. بمزيج من القسوة والشاعرية، يصوّر العمل المصير البائس لأطفال فلّاحي سردينيا بعد الحرب. منذ البداية، يُحكم عليهم بالفقر والعبودية، في ظلّ سلطة أبوية مطلقة ودور شبه معدوم للمرأة.
بعد عقود، لم يفقد الفيلم الذي حاز السعفة الذهبية قوته، إذ يقدّم تأملاً سياسياً واجتماعياً في مجتمع عنيف وأبوي ينهار تحت تقاليد تستعبد الأطفال والنساء. الفيلم المقتبس عن سيرة غافينو ليدّا بسيط، وقاس، وخشن، ووحشي. عبر الفيلم، يقترح الأخوان يوتوبيا في مواجهة حاضر مظلم: بنية أبوية، دين خرافي، تهميش ثقافي، احتقار المرأة، وثأر قديم، مقابل تحرر تدريجي عبر الثقافة، والفنّ، ورفض الصمت. حضور غافينو الحقيقي في البداية والنهاية يضفي قيمةً رمزية، كدليل على إمكانية المقاومة والتقدم، رغم التعلق المؤلم بجذور الطفولة.
الخيانة والثورة والبورجوازية
قبل هذا الفيلم، برز الأخوان في فيلم Allonsanfàn (1974 ــــــ اليوم الأربعاء ـــــ الساعة الثامنة)، الذي تدور أحداثه مباشرةً بعد عام 1815 في زمن توحيد إيطاليا عقب هزيمة نابوليون وتفكك الجماعات الثورية.
-
يقدَّم Kaos حكايات الكاتب الصقلي لويجي بيرانديللو
يُعدّ الفيلم من أبرز أعمال الأخوين المبكرة، إذ يبتعد عن الدقة التاريخية ليطرح إطاراً مثالياً لمناقشة دوافع الخيانة والثورة والبورجوازية من دون إدانة أخلاقية. تحوّل القصة فترة ما بعد نابليون إلى مرآة مباشرة لواقع إيطاليا في سبعينيات القرن العشرين بعد صدمات 1968، وتُروى حكاية الطائفة التي ينتمي إليها فولفيو إمبرياني (مارسيلّو ماستروياني) كبقايا أخيرة للروح الثورية.
مذبحة كاتدرائية سان مينياتو
في فيلمهما التاسع، شعر الأخوان تافياني بالحاجة إلى تصوير حدث تاريخي طبع حياتهما: مذبحة كاتدرائية سان مينياتو، التي وقعت في 22 تموز (يوليو) 1944، في مسقط رأسهما، عندما كانا صبيين. يصوّر فيلم «ليلة سان لورينزو» (1982 ــــLa notte di San Lorenzo ـــــ الخميس 27 تشرين الثاني ـــ الساعة الثامنة)، هذا الحدث، محولاً إياه إلى حكاية خرافية، أسطورة، حكاية ملحمية. يتجلى الطابع الكورالي للفيلم عبر إخراج دقيق يستلهم المأساة اليونانية ببنية مزدوجة بين الكورس والبطل، حيث تمتزج الرموز الدينية مع نغمات التراجيديا والشعر الملحمي.
في قلب صقلية
يقدَّم Kaos (1984 ـــــ الجمعة 28 تشرين الثاني ـــــ الساعة الثامنة)، كلوحة جدارية مؤلفة من أربعة فصول، أربع قصص قصيرة، مع مقدمة وخاتمة، مستوحاة من حكايات الكاتب الصقلي لويجي بيرانديللو. تتكشف هذه القصص في قلب صقلية، بين القرى المعزولة والجبال القاحلة، يجمعها خيط واحد: رحلة من عنف جسدي أو أخلاقي نحو انبثاق جمال ما.
دائماً ما اهتما بالقضايا
الاجتماعية مدفوعين بوعيهما الماركسي كعضوين في الحزب الشيوعي الإيطالي
يصوّر الأخوان تافياني هذا العالم ببراعة، مستندين إلى واقعيته لاستحضار الخيال والشاعرية. ينتهي الفيلم بخاتمة مؤثرة، حيث يظهر بيرانديللو (يجسّده ممثل) عائداً إلى أرضه وذاكرته، متتبعاً المناظر الطبيعية التي شكّلت قصصه القصيرة وصولاً إلى شبح والدته الراحلة. في لقاء سوريالي، يخلق الأخوان حالة من النعمة السينمائية.
إيطاليا في زمن برلسكوني
فوز فيلم «قيصر يجب أن يموت» (2012 ــــ السبت 29 تشرين الثاني ـــــ الساعة الثامنة) للأخوين تافياني في «مهرجان برلين السينمائي» الثاني والستين، وهو إنجاز لم تحققه السينما الإيطالية منذ عام 1991، لا ينبغي أن يكون الدافع الوحيد لمشاهدته، بل مجرد حافز إضافي للانخراط في عمل مكثّف وصعب القراءة، سواء من حيث موضوعاته المتشابكة أو جرأة نهجه الفني.
-
من فيلم «قيصر يجب أن يموت»
تقوم الفكرة الجوهرية على تصوير مراحل إنتاج مأساة شكسبيرية داخل قسم الحراسة المشددة في سجن ريبيبيا في روما، حيث يؤدي الأدوار نزلاء محكومون بالمؤبد أو بأحكام طويلة لا تسمح لهم بإعادة التجربة بعد خروجهم. التأملات التي يثيرها العمل، مثل أن الفنّ وحده قادر على التعبير عن فقدان الحرية الحقيقي، ليست انعكاساً مباشراً لتجربة السجناء، بل ثمرة موقف فكري لصانعي الفيلم. وعبر إعادة تقديم «يوليوس قيصر»، يفتح الأخوان الباب أمام استعارة سياسية واجتماعية عن مصير إيطاليا في زمن برلسكوني، وانهيار الديموقراطية الشعبية.
وداع من شقيق إلى شقيقه
في عام 2018، يجد باولو نفسه وحيداً في مواجهة «وداعاً ليونورا» (2022 ـــــ الأحد 30 تشرين الثاني ـــــ الساعة الثامنة) بعدما فقد شقيقه، فيصنع فيلماً عن لويجي بيرانديللو في سنواته الأخيرة، متزامناً مع لحظة وفاته عام 1936، ليحوّل المشروع الذي خطّط له مع شقيقه منذ زمن إلى وسيلة لتكريمه. هكذا يصبح الفيلم علامةً على الخسارة الملموسة ــــ ذلك الطرف المبتور الذي لا يمكن استعادته ــــ ووداعاً من شقيق إلى شقيقه، وانعكاساً لما آل إليه الفنان وفنّه بعد غياب نصفه الآخر.
* استعادة أفلام الأخوين تافياني: حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ــ بيروت) ــ للاستعلام: 01/445717
