ماريو مبارك: وقامت القيامة على... نكتة!

قبل ستة أشهر، كانت منصة «أوكوارد» قد نشرت فيديو كاملاً لأمسية ستاند أب كوميدي قدّمها ماريو مبارك. لم يلفت هذا الفيديو يومها أي جدل، وظلّ متاحاً على المنصّة من دون أي ضجة تُذكر. لكن خلال اليومين الأخيرين، قرّر بعضهم اقتطاع جزء محدّد من العرض ونشره خارج سياقه الأصلي، مع الإصرار على اعتباره مقطعاً مسيئاً للدين المسيحي ولحدث القيامة، الذي يعدّ من أكثر المراحل قداسةً في حياة المسيح وفي الوجدان الديني للمؤمنين.
عند مشاهدة الفيديو كاملاً كما بثّته المنصّة، يبدو واضحاً أنّ مبارك يتناول العادات اللبنانية ومسلّمات المجتمع بطريقة ساخرة، ويركّز تحديداً على طريقة تعامل محيطه معه لمجرّد أنه كوميدي. ينتقد مثلاً الهوس بنشر «ورقة النعوة» على مواقع التواصل من دون ذكر تفاصيل واضحة عن سبب الوفاة، كما إلى التعابير الشعبية مثل «بعيد من هون» عند الحديث عن الموت، باعتباره نوعاً من التعويذة اللفظية التي يُعتقد أنها تبعد الشرّ. يجمع مبارك هذه المشاهد المتناثرة في قالب واحد، من خلال رواية تجربته في مشاركته في مأتم، وعودة والدته لسؤاله: «كيف كان الدفن؟» ليجيبها «منيح»، قبل أن يربط الأمر بدفن المسيح، فيقول إن دفن المسيح «ما كان منيح، لذلك قام». ويكمل ملاحظاً أن مجرّد الحديث عن الدين يثير حساسية عند الناس، قبل أن يصف المسيح بأنه «كان مهضوم».
هذه الجملة تحديداً ربما هي التي استفزّت بعض المغالين أكثر من النكتة نفسها أو أي مقاربة لحدث القيامة. فمبارك لم يشكّك في القيامة، ولم يقدّم روايةً مضادة، بل منح المسيح صفات بشرية دافئة، وربما من أجملها: القدرة على الضحك وإضحاك الآخرين. أنسنة المسيح، أي إظهاره بصورة قريبة من الناس، بصفاتهم وأخطائهم وحيواتهم اليومية، تزعج هؤلاء لأنّها تسحب منهم احتكار الصورة المثالية الشديدة الصرامة، وتفتح باباً للشك، والشكّ بالنسبة لهم هو العدوّ الأول للإيمان الأعمى، وبوابة للبحث عن الآخر وتقبله، أي كل ما يخشونه.
كان يمكن، بكل بساطة، التعامل مع النكتة بوصفها غير موفّقة، أو اعتبارها مزعجة للبعض، ثم ينتهي الأمر. لكن مدير «المركز الكاثوليكي للإعلام»، الأب عبدو أبو كسم، فضّل كعادته اعتماد نهج المراقبة والرصد لكل من يتجرأ على قول ما لا ينسجم مع ما يرغب هو في سماعه. هكذا، أصدر بياناً ناشد فيه المدّعي العام التمييزي القاضي جمال الحجّار «اتخاذ الإجراءات العقابيّة اللازمة بحق ماريو مبارك»، مؤكداً على أنّ «حرية التعبير على أهميتها لا يمكن أن تُستخدم للاستهزاء بالمقدسات الدينية أو التهكّم على أقوال المسيح وتلامذته، بما يجرح مشاعر المؤمنين في لبنان والعالم ويقوّض أسس الاحترام».
ولم يكتفِ أبو كسم بذلك، بل أضاف تشكيكاً جديداً عبر التساؤل عن توقيت نشر المقطع، معتبراً أنّ «اختياره قبل أيام من زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان هو توقيت خبيث». إلا أنّ الوقائع تُكذّب هذا الاتهام بسهولة، فالمقطع لم يُسرّب حديثاً، بل هو جزء من فيديو نُشر قبل أشهر على الملأ، وبقي متاحاً أمام «أعين البابا» نفسه لو أراد أحد الاطلاع عليه. يكشف هذا الاتهام محاولة تحميل الفاتيكان ما لم يقله، وما تحاول الكنيسة أصلاً تجاوزه ضمن مسار الإصلاح الذي بدأ منذ عهد البابا الراحل فرنسيس، وهو المسار الذي هدف إلى جعل الكنيسة أقرب إلى الناس وإلى حياتهم اليومية.
والمفارقة أنّ البابا فرنسيس نفسه قدّم، قبل أشهر قليلة، أحد أكثر المواقف وضوحاً في الدفاع عن الكوميديا. في لقائه 107 من أفضل الكوميديين حول العالم في حزيران (يونيو) 2024، قال إن الكوميديا «يمكن أن تسهم في خلق عالم أكثر تعاطفاً ودعماً». وفي زمن تُشنّ فيه حملات تخوين وتهديد ضد الكوميديين لمجرد اقترابهم من الدين في نكتة، قال الأب فرنسيس عبارته الشهيرة: «لا بأس بالسخرية من الله طالما أنّ النكتة غير مسيئة»، مضيفاً: «هل يمكننا أن نضحك على الله؟ بالطبع، هذا ليس تجديفاً، يمكننا، تماماً كما نلعب ونمزح مع من نحب». واختتم بالتأكيد على أنّ «نجاح الكوميدي في رسم ابتسامة واعية على شفتي مُشاهد واحد، يعني أنه يُسعد الله أيضاً».
يمكن تفهّم أي تردد أو خوف يصدر عن مبارك، فهناك كوميديون لوحقوا قضائياً وتعرضوا لتهديد، حتى إنّ شادن فقيه اضطرت لمغادرة البلاد، وهي أقصى درجات الترهيب النفسي مقابل نكتة.
ما يواجهه مبارك اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل يواجه فيه الكوميديون، والفنانون عموماً، غضب حرّاس الخطوط الحمر كلما لامست النكتة مساحة يعتبرونها ملكهم الخاص. لكن الواقع أبسط بكثير: النكتة لا تُسقط إيماناً، ولا تهزّ قيامة، ولا تنقض عقيدة عمرها آلاف السنين. هي فقط تُعيد تذكيرهم بأن الله، كما قال البابا فرنسيس نفسه، لا يخاف الضحك، وأن المقدّس لا يضعف بسبب جملة عابرة بل بسبب الخوف نفسه. في بلد اعتاد أن يختنق تحت ثقل المحرمات، يصبح الضحك مساحة صغيرة تمنح الناس قدرةً على التنفّس، وإذا كانت النكتة «بايخة»، لا تضحك واكمل يومك.

