لينا خوري: مات الإله... يحيا «أبو الزوس»!
في «أبو الزوس»، تعود لينا خوري إلى الخشبة بقفزة جريئة تمزج العبث بالفكاهة اللبنانية. عرضٌ سريع الإيقاع، ممتلئ بالتناصات واللمحات الذكية من تاريخ المسرح، وبأداء لافت يقوده طارق تميم وطاقم شاب


يقدّم عمل لينا خوري، المقتبس عن مسرحية وودي آلن God، بناءً مسرحيّاً يستند بقوة إلى تاريخ المسرح اللّبناني ولعبة التّناصات. يتجلى الذّكاء البصري والإخراجي لخوري في تهجينٍ يمزج ببراعة بين المتعالي واليومي، وبين الفلسفي العبثيّ والشعبي السّاخر.
تتجذّر فلسفة النص الأصلي، God في فكرة العبث الوجودي المتأثرة بنيتشه ومسرح اللاجدوى (بيكيت، وبنتر، ويونيسكو). يقوم البناء الدرامي على خلل مقصود: فالكاتب (هيباتايتس) والممثل (دايابيتس) يحاولان يائسَين إيجادَ نهايةٍ لمسرحية لا يمكن إكمالها. يتداخل الواقع بالخيال، وترسو المسرحية على مهزلة عبثية تطمسُ الحدود بين الفن والواقع، مُحوّلة السؤال الميتافيزيقي عن وجود الإله وموتِه إلى سؤال محوريّ. وعندما تُقتل شخصية الإله على الخشبة، يعلن الممثل موتَ الإله، في إشارة رمزية إلى تهجير الإله من مركزه السابق في العالم الحديث.
أما في «أبو الزوس»، فقد قامت لينا خوري بتكييف دقيق لهذا النزاع الوجودي. إذ غاب الإله الفلسفي ليحل محله «أبو الزوس» الساخر. وقد شملت عملية التكييف مَسْرَحَة المكان، واستثمار المواهب الجامعية، وإدخال السخرية المحلية، واستعادة رموز من تاريخ المسرح اللبناني.
تناصات واستحضار تاريخ المسرح اللبناني
تُبدع لينا خوري في استدعاء ذاكرة المسرح اللبناني، مستحضرةً فوضى ريمون جبارة في مسرحية «تحت رعاية زكّور»، وسخرية زياد الرحباني في «شي فاشل»، وادعاءات الوسط الفني، وتهافت بعض فنّانيه على الجوائز والشهرة، بالإضافة إلى رموز المسرح التّجاري بمختلف أنواعه. كانت معظم هذه الإشارات ذكيّة ورمزية، تعتمد على ثقافة الجمهور، وتمنح المشاهد متعةَ اكتشاف المرجع.
استحضار فوضى ريمون جبارة وسخرية زياد الرحباني
لكنّ السقطة الوحيدة كانت في استحضار شخصيات فيروز المسرحيّة، إذ وقع العمل في استسهال مباشر، وتحوّلت اللحظة إلى ما يشبه فقرة تقليد للمشاهير في برنامج تلفزيوني. ونوضّح هنا أن الثّغرة ليست في أداءِ الممثلة هالة المصري المُتقَن، بل في التوظيف والإطالة التي كسرت إيقاع الإحالات الرمزية.
البنية: عبثية محكومة بالعقل...
وقد بُنيَ النصّ، كما قدّمته خوري، على تداعيات مُشتتة ظاهرياً لكنها مضبوطة بخيط سردي واضح. يتمتع إخراجها بهندسة دقيقة، كأنّها تقيس الحركة بالسنتيمتر. تُموضِعُ الممثلين بوعي، وتبني المشهد بوصفه معادلة عقلانية، محسوبة وناجحة بنيوياً. ورغم أنّ هذا يمنح العرض جودة عالية، إلا أنّه يُفقده أحياناً العفوية والغموض التي تحتاجُ إليهما طبيعة العبث واللاجدوى.
أداء الممثلين: بين الاختزال والارتجال
يُثبت طارق تميم في كل جديد أنّه ممثل قدير، ذو تواضع حقيقي على الخشبة. يتجاوز نفسه من دون ضجيج، ويقدّم عمقاً يجعل الشخصية الكوميديّة تنبض بحضور عضوي غير مُبتذل.
تميّزَ أداء الممثل سامي حمدان ببراعةِ الانتقال بين شخصية وأخرى، بين دور الحارس الكريكاتوري ونادل المقهى الهزلي. فالمفارقة الكوميدية التي خلقها كانت واحدة من أنجح لحظات العرض، التي يُشهدُ له فيها.
أما الممثل سني عبد الباقي، فهو موهبة مسرحيّة شابّة جديرة بالانتباه والتوقف عندها. تكمن قوته في قدرتِهِ على الاختزال الذكي لتوظيف الجسد والحركة، والضبط الدقيق للإيقاع. يَلِجُ عالم الكوميديا من دون استسهال أو ابتذال، بحضورٍ ينمّ عن جدّية في دراسة عميقة للشخصية، وارتجال عفوي لا يخرق حدود الدور، بل يخلق اللحظة أمام الجمهور ويعيد تعريف قيمة الحضور المسرحي.
بين اللاجدوى والتحوير، بين الاستحضار والتأطير المحلي، تظل المسرحية إنجازاً مهمّاً في مسار المسرح الجامعي، وعملاً ذكيّاً، لامعاً بصرياً، قويَّ الأداء، وممتعاً في لعبته المسرحية الغنية بإشاراتها. لكنّه يظلّ محكوماً بتساؤل واحد: هل طرح العمل التساؤلات الوجودية العميقة بجرأة وودي آلن؟ أم أن الاقتباس أُعيد تشكيله وفقاً لما يسمح به المزاج المحلي؟
* مسرحية «أبو الزوس»: حتى 13 كانون الأوّل (ديسمبر) ـ «مسرح غلبنكيان» (الجامعة اللبنانية الأميركية ـ بيروت) .
