«ثلاث آيات في الوحدة»: هذه محاضرة!
تتصدّى مسرحية «ثلاث آيات في الوحدة»، وهي عمل مشترك لفرقة «زقاق» بالتعاون مع لي سيرل وبن فروست، لإحدى أعمق الثيمات الوجودية: الوحدة.


تتصدّى مسرحية «ثلاث آيات في الوحدة»، وهي عمل مشترك لفرقة «زقاق» بالتعاون مع لي سيرل وبن فروست، لإحدى أعمق الثيمات الوجودية: الوحدة.
تستكشف المسرحية التي عرضت أخيراً في «مسرح المدينة» في الحمرا، أطياف العزلة بوصفها مساحة للتأمل والتجدد، بخاصة في زمن الفقد. وبينما ينجح العرض في خلق عالم بصري آسر يستلهم روح التّجريد الصّوفي، فإنه يتعثّر في مطبِّ الانتقال من المسرح الخطابيّ إلى مسرحةِ الخطاب، محوّلاً الوحدة من حالة شعورية مَعيشة إلى مجرّد سردٍ تقريري إفصاحي.
المشهد الأول: صمت روثكو على الخشبة
يُبشّر المشهد الافتتاحي ببداية مغايرة، تحمل وعوداً ببناءٍ صوفيٍّ تأمُّليٍّ عميق. فقد نجحتِ السّينوغرافيا ببراعة في مُقاربةِ عالمِ مارك روثكو، فنَّان التّجريد الذي رأى أنَّ جوهرَ التجربة البصريّة الجمالية لا يكمن في الضّجيج، بل في المساحات التي تلامس ما هو ثابتٌ في روحِ الإنسان، والهمسِ الذي يحوّلُ الفراغ إلى حالة من العزلة والتأمّل.
وفي هذا المقام، جسّدت السينوغرافيا بعمقٍ رؤيةَ روثكو للمقاييسِ الضخمة التي تمنحُ المُتفرّجَ فرصةَ الانغماس في التجربة الوجدانيّة.
وقد خلقتِ الإضاءة الخافتة توازناً دقيقاً بين الظلِّ والجسد. فتحوّلَ الفضاءُ المسرحي إلى لوحة طقسيّة مُتحرّكة، وستارة شفافة تُبرزُ ظلال ثلاثةِ أجساد مُتباعدة، تشكّلُ امتداداً لمسافة شعورية أعمق.
الانزلاق من التجربة إلى الخطاب
ويَطرحُ النجاحُ المُبهر للسينوغرافيا في تجسيد عالم روثكو المسرحي الحسّاس سؤالاً نقديّاً محورياً: هل استطاع النصُّ والأداء، معاً، مقاربة هذا العالم الرمزيّ التبسيطيّ، أم أسقط عليه ثقلَ الضّجيج الذي رفضه روثكو نفسه؟
للأسف، بعد المشهد التأمّلي البطيء في البداية، انحرفَ العرض نحو سرديات مُطوّلة، جعلتِ التجربة أقرب إلى محاضرة خطابية مُمَسرحة، أفرغتِ الوحدة من حمولتها الشعورية. فالعِبرةُ هنا، تكمنُ في القدرةِ على التقاط الفراشة من دون طحن جناحيها، وعلى معالجة مثل هذه القضايا الوجوديّة الحسّاسة التي لا يمكن أن ينهضَ بها إلا الشعر الذي يومضُ ولا يشرح، أو النّصّ الذي يوضعُ في الغربال حتّى ينخلَ قمحهُ. فأبلغُ الكلام ما يُكتبُ بالممحاة وليسَ بالقلم!
هنا، يبرز الفرق الشاسع بين المسرح الخطابي، الذي يحمل قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب فني، الخطاب المُمَسرحِ الذي يُحوِّلُ الفعل المسرحي إلى مجرّد وسيلة لإيصال رسالة جاهزة مُفرغة من الغاية الجمالية والوجودية. وقد طرحَ هذا الإكثار السّردي التقريريّ تساؤلاتٍ كثيرة في ضوءِ جعلِ الوحدة خطاباً يشرح ويفسّر بدلاً من أن يكونَ حالةً تتجلّى وتُحَسُّ؟
لغة الجسد: بين الرمز والزخرفة
ورغم الحضور المسرحي العريق والمؤثر لممثّلي الفرقة: جنيد سري الدين ولميا عازار ومايا زبيب، إلّا أنَّ الأداءَ شابَتهُ مبالغاتٌ واضحة في الزخرفات اللفظية والجسدية، وهو ما يتناقض أيضاً مع حكمةِ روثكو في رفض العشوائية. هذا الإفراط في الحركة والإشارات أدى إلى إضعافِ الرمز المسرحي، وجعلِه أقرب إلى لغة الإيماء التّفسيرية التي يستخدمها مُتَرْجِمُو الإشارة لإيصال المعنى المباشر.
كذلك بدا توظيف الأقنعة الطوطامية، والرّقصِ الوحشيّ البدائي، زخرفة جمالية لا تتخطى حدود الإبهار البصريّ. فهذه الإشارات والطّقوس باتت فعلاً مُجترّاً ومألوفاً في مشهديّات الرقص التعبيري البدائي الذي تحوّل من شدّةِ استهلاكِهِ في الأعمال الفنيّة، إلى ما يشبه المنحوتات والقوالب الشعبيّة المُكرّرة، كتمثال أسدٍ على مدخل القصر.
أمّا التّنقل في متنِ العرض وختامِهِ، فلم يكن محبوكاً بطريقة تخدمُ تصاعديّاً البناء الدراماتورجي، بل بدا تنقلاً اعتباطياً لملء الفراغ بحركات زائدة أحياناً تتقاطع مع الزخم السّردي، ما أبعدَ الانسجام مع أصالة السينوغرافيا.
الفرقة والسلطة: سؤال التمويل والأصالة
وتُثيرُ هذهِ الأعمال الفنيّة تساؤلات أعمق تتعلق ببعضِ الفرقِ المسرحيّة التي نهضت من الهامش، والتزمتِ المسرح ممارسةً سياسية واجتماعية غير هرمية، وحولَ تحوّلِ مساراتها وتكييفها وفقاً لأهواء الجهات المانحة، ما يجعلُ إتقان كتابة المشاريع بغيةَ الحصول على التّمويل، أكثر إتقاناً من تنفيذ العملِ الفنّي نفسِهِ، ومن تكريس الجهودِ اللازمة لتحقيقِ أصالته والفرادة.
فهل تتحوّلُ هذه المجموعاتِ والفرقِ، في ضوءِ المِنَحِ، إلى «سلطة فنية» مؤثرة.
لقد تابعنا عدداً من الأعمال الشّبابية التي رافقَتْها فرقة «زقاق» أخيراً برؤيتِها ودعمِها الإنتاجيّ، ولمسنا تأثّراً واضحاً بأسلوب زقاق وخطابيّتها بنيةً وأداءً وطرحاً.
وتبقى هذه كلّها مجرّد تساؤلات مطروحة، وليست أحكاماً مسبقة، أو إدانةً. فنحنُ ندركُ أنّ كل مجهود فنّي في وطنٍ يفتقر إلى أدنى مستويات الدّعم والاحتضان هو مقاومةٌ ثقافية تُرفع لها القبّعة والسّلام!
