
أثار نشر «ملفات دمشق» موجة واسعة من الجدل بين السوريين، بعدما أعادت الوثائق والصور المسربة فتح جراح آلاف العائلات التي ما زالت تجهل مصير أبنائها. فبين من يرى في نشرها خطوةً ضروريةً لفهم بنية أجهزة أمن النظام، ومن يعتبرها انتهاكاً لخصوصية الضحايا وكرامة أهاليهم، يُفتح نقاش حاد حول حدود العمل الصحافي، ومعايير التعامل مع الأرشيف الحساس، ومن يملك حق قول الحقيقة ومتى.
View this post on Instagram
تظهر الناشطة والمعتقلة السابقة وفا مصطفى في فيديو على حسابها في «إنستغرام» لتطرح سؤالاً مباشراً: «أين كرامة المعتقلين وأهاليهم؟». وجاء كلامها في سياق الاستياء الذي عبّر عنه كثير من ذوي الضحايا بعد نشر ما عُرف بـ «ملفات دمشق». وتساءلت مصطفى عن طبيعة هذه الوثائق، وما إذا كانت تشبه «شهادات وفاة»، مؤكدة أن «أي معلومة عن المعتقلين هي شأن خاص بالعائلات… ومكانها ليس السوشال ميديا، ولا واجب الصحافة والنشطاء إبلاغ الأهالي عبر نشر صور قتل أحبّتهم». وتضيف مصطفى وهي ابنة معتقل في سجون النظام السابق أن هناك «هيئات متخصصة» تتواصل مع العائلات مباشرة وتحفظ كرامتها.
وبحسب التحقيق المنشور، تكشف «ملفات دمشق» البنية الداخلية لأجهزة أمن النظام وصلاتها بحكومات أجنبية ومنظمات دولية. وتتضمن أكثر من 134 ألف وثيقة وسجل استخباراتي، ونحو 33 ألف صورة عالية الدقة توثّق مقتل أكثر من 10,200 معتقل بين 2015 و2024. وتشير الصفحة التعريفية إلى أن هيئة الإذاعة الألمانية NDR حصلت على المواد وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، من دون توضيح كيفية الوصول إلى هذا الأرشيف أو ظروف الاحتفاظ به طوال فترة العمل عليه، في ظل اتهامات بمتاجرة بعض الجهات والأشخاص بهذه الأوراق إبان السقوط، خصوصاً أنه يتضمن عشرات آلاف الوثائق والصور المسربة من داخل مؤسسات الأسد، فيما لم يصدر أي إعلان رسمي عنها منذ عام كامل.
من جهته، كتب منسق «منصة الذاكرة السورية» أحمد أبازيد على «إكس» متحدثاً عن «الكشف العشوائي للوثائق» و«صدمة العائلات» منذ سقوط النظام، إضافة إلى ضياع جزء كبير من الأرشيف بسبب الحرق، أو الإهمال، أو عدم الوصول إلى القواعد المؤتمتة. ويقول إن العمل في «الذاكرة السورية» كان يستوجب «مراجعة دقيقة» قبل نشر أي شهادة عن وفاة معتقل، والتواصل مع العائلات في حال لم يجرِ الإعلان سابقاً عن وفاة قريبهم، «احتراماً لمشاعرهم» ولضمان وصولهم إلى الشاهد قبل النشر.
وفي أحد أكثر ردود الفعل حدّةً، كتبت إحدى الصفحات العامة أن «25 وسيلة دولية تتعاون لعرض وثائق غالباً جرى بيعها من قبل أطراف معروفة… وربما بمشاركة السلطة»، مضيفة أن النشر «يُهين مشاعر أهالي المعتقلين والمختفين قسراً»، وأن قضية المعتقلين «تحولت إلى تجارة بالأحياء وبالأموات».
بمناسبة الإعلان عن ملفات دمشق
— أحمد أبازيد Ahmad Abazeid (@abazeid89) December 4, 2025
التحقيق الذي نفذته مؤسسات خاصة ويتضمن عشرات آلاف الوثائق وصور الضحايا المسربة من نظام الأسد، ومع عدم إعلان أي شيء عن هذا الأرشيف من الجهات الرسمية بعد عام كامل.
خلال عملنا في الذاكرة السورية، كانت ترد شهادات من المعتقلين عن رفاقهم الذين استشهدوا في…
في المقابل، رأى آخرون أن طريقة نشر المواد «أكثر مهنية وانضباطاً» مقارنة بتجارب سابقة، لكنهم طرحوا سؤالاً جوهرياً: «هل تخدم هذه المواد أهالي المختفين حقاً، أم تزيد آلامهم؟» مؤكدين أن «الحقيقة يجب أن تصدر عن جهات مخوّلة، وفق إجراءات تصون كرامة العائلات وتتحقق من المعلومات».
وذهب البعض إلى المقارنة بين «ملفات دمشق» ووثائق قيصر، معتبرين أنّ الأخيرة كانت «صادمة وضرورية» في سياق كشف جرائم النظام أمام المجتمع الدولي. «لكن اليوم، وبعد سقوط الأسد، هل من اللائق أن ترى أم صورة جثة ابنها منشورة على صفحات التواصل؟ وهل ما زال هذا الشكل من النشر جزءاً من بروتوكول كشف الحقيقة؟».

