
اتّخذت أربع دول أوروبية مُؤثّرة خطوة غير مسبوقة بإعلان مقاطعة مسابقة «يوروفيجن» لعام 2026، بعدما أصرّ «اتحاد الإذاعات الأوروبية» على السماح لإسرائيل بالمشاركة رغم المجازر الواسعة التي ارتكبتها في قطاع غزة.
ورغم إصرار الاتّحاد المُنظّم لمسابقة الغناء الدولية التي تُقام سنوياً منذ عام 1956، على مشاركة إسرائيل بذريعة «الحياد السياسي»، إلا أنّ المقاطعة التي تقودها أيرلندا وإسبانيا وهولندا وسلوفينيا شكّلت لحظة كاشفة للانحياز السياسي وازدوجية المعايير داخل الفضاء الثقافي الأوروبي.
غزة في قلب القرار
أرجعت الإذاعات الرسمية للدول الأربع انسحابها إلى استمرار العمليات الإسرائيلية في غزة وما خلّفته من مآسٍ إنسانية طالت المدنيين بشكل مباشر وأكثر من عشرين ألف طفل. وتحدّثت هذه الهيئات بوضوح عن استحالة المشاركة في حدث احتفالي بينما تُرتكب الفظائع على مرأى العالم. كما رأت أنّ تجاهل الاتحاد الأوروبي للإذاعة والتلفزيون دعوات التصويت على تعليق مشاركة إسرائيل يعكس تواطؤاً بنيويّاً يقدّم المصالح السياسية على المبادئ الأخلاقية.
أمّا ردّ الاتحاد على هذه الاتهامات فأدّى إلى مزيد من ردات الفعل الغاضبة بين الناشطين الأوروبيّين، إذ اختار الاتحاد الأوروبي للإذاعة والتلفزيون تجاوز المطالب بإجراء تصويت سري على أهلية إسرائيل، مكتفياً بإجراءات تقنية تتعلّق بمنع التدخلات الحكومية في التصويت. وقدّم المنظّمون موقفهم بوصفه دفاعاً عن «حياد» المسابقة، على الرغم من حقيقة أنّهم سبق أن استبعدوا روسيا عام 2022 خلال أسبوع واحد فقط. هذا التضارب أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول ازدواجية المعايير في التعامل مع الدول المتهمة بانتهاكات جسيمة.
تحوّل داخل المشهد الأوروبي
بعيداً عن إمكانيّة تجاوب الاتّحاد مع ضغوط الدول المقاطعة بطرد إسرائيل من المسابقة، إلا أنّ الحدث الاستثنائي يُمثّل أول قرار سياسي بهذا الحجم ضد مشاركة إسرائيل، بعدما ظلّ الاعتراض لسنوات محصوراً في أوساط المشجعين أو الفنانين. بعد عامين من بداية الإبادة في غزة، بدأت الاحتجاجات تنتقل إلى مستوى المؤسسات الإعلامية الرسمية، ما يعكس بيئة رأي عام أوروبي تتغيّر على وقع صور المجازر وضغط المجتمع المدني.
على المقلب الآخر، تحتفي إسرائيل بقبول مشاركتها وتصفه بأنّه «انتصار على من يحاولون إسكاتها». لكنّ قرار «اتحاد الإذاعات الأوروبية» بالانحياز إلى جانب تل أبيب على حساب أربع دول أوروبيّة مهمّة أدّى إلى توسّع في دائرة الدول التي تُعيد النظر في علاقتها بالمسابقة بما يُنذر بتدحرج كرة المقاطعة في أي لحظة.
وعلى هذا الصعيد، أعلنت بلجيكا أنّها تعيد دراسة موقفها، فيما تُبقي بعض الدول الإسكندنافية مشاركتها قيد المراجعة. هكذا تحوّل «يوروفيجن» إلى ساحة صراع أخلاقي، تتقدّم فيها القِيَم الإنسانية على البريق الموسيقي الذي لطالما ميّز الحدث. في نهاية المطاف، تُعدّ المقاطعة أكثر من مجرّد انسحاب فني، إذ تُشكّل محطة جديدة في إعادة تعريف الحدود بين الترفيه والسياسة، وبين الصمت والتواطؤ.

