
طوال عام 2025، واظبت يومياً على قراءة جريدة «الأخبار» بادئاً بالمقال اليومي الذي يكتبه الصحافي الفلسطيني يوسف فارس (ولد عام 1989 لعائلة لاجئة من عسقلان)، الذي يغطي حرب الإبادة في قطاع غزة وهو أحد أبناء المدينة المخلصين الذي شاهد وروى وكتب ونقل أدق الصور والقصص والمشاعر.
خلال هذا العام الكارثي، كتب فارس ما يقدر بمئة وثمانين مقالاً، ناقلاً الأحداث والمجازر وشهادات الناجين من الموت، محاولاً نقل صوت أهل غزة المحاصرين الفاقدين الجوعى، الذين حالت بهم الأقدار أن يصبّ فوق رؤوسهم كل أشكال الموت وأصعب الظروف الإنسانية.
في مقابلة أجراها يوسف فارس مع مجلة «الجنوب» (المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية العدد الأول صيف 2025) يصف يوم عمله في غزة خلال الحرب بأنّه يبدأ باكراً جداً: يخرج سيراً على الأقدام مع زميله المصور محمد بعلوشة من مكان النزوح، محددين جدول المهمات حيث كانت المسافات تُقطع مشياً لمسافات تصل إلى عشرة كيلومترات أو أكثر. هذا المشي الشاق جعلهما قريبين جداً من الناس. يسمع فارس قصصهم مباشرةً ويختار ما يناسب منها لتحويله إلى قصص مصوّرة. مع الوقت، لم يعد هو الذي يبحث عن القصص، بل أصبح الأهالي والفاقدون يأتون إليه ليحكوا له حكاياتهم.
بعد يوم من السير والتقاط الصور، يبدأ تحدٍّ جديد: البحث عن نقطة إنترنت نادرة لإرسال المواد المصورة للقنوات التلفزيونية. ثم ينتقل إلى كتابة تقاريره اليومية لجريدة «الأخبار».
وغالباً ما كان ينام من الإرهاق أثناء الكتابة. يختتم فارس وصفه ليوم العمل بالإشارة إلى أنّ الحرب فرضت روتينها الخاص، حيث المفاجآت أصبحت هي الروتين اليومي: قصف هنا، مجزرة هناك، أو استدعاء لتغطية عاجلة.
في هذا المقال، أحاول مراجعة أبرز العناوين والقضايا التي تناولها يوسف فارس فوق صفحات «الأخبار» خلال عام 2025، مذكراً بحجم المأساة والظروف القاهرة التي مر بها أهل القطاع، ومعبراً عن مدى صعوبة مهمة الصحافي تحت النار، في حرب طاحنة اعتبرت فيها إسرائيل الصحافيين عدواً وهدفاً دائماً. إذ وصل عدد الصحافيين الذين ارتقوا شهداء منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إلى 257. كما وسع الاحتلال حربه على الصحافيين لتشمل صحافيين في الحرب على لبنان وإيران و32 صحافياً يمنياً في مجزرة واحدة في شهر أيلول (سبتمبر) 2025.
الإبادة مستمرة
بدأ يوسف فارس عام 2025 وهو يغطي آثار حصار «مستشفى كمال عدوان» الذي دام 83 يوماً، ليوثق مع بداية العام ضغطاً عسكرياً إسرائيلياً مكثفاً على غزة بكاملها. نقل مشاهد دموية سقط فيها عشرات الشهداء في مجازر جماعية، نصفهم من الأطفال والنساء، تحت غارات الطائرات المسيرة التي تجاوزت العشرين في يوم واحد.
التعتيم الإعلامي والرواية الوحيدة
سلط فارس الضوء على سياسة التعتيم الإعلامي التي فرضها الاحتلال، خاصة في شمالي القطاع بعد إخلائه من الصحافيين وطواقم الإغاثة.
الهدنة الأولى: شعور بالفخر مع خروقات متعددة من قبل العدو
وثق فارس اللحظات المتوترة قبل الإعلان عن أول هدنة، حيث شن الاحتلال حملة اغتيالات دقيقة استهدفت نشطاء ودعاة. وصف مشاعر الغزيين المتناقضة مع وقف إطلاق النار: الفرح بوقف المقتلة، والشوق إلى العودة، والحزن على الأحبة، والذهول أمام حجم الدمار. نقل صورة مؤثرة لأم محمد مطر التي أمضت ساعتين لتستدل على مكان بيتها المدمر بين الجبال المتشابهة من الركام. كما أبرز لحظة مهيبة بتسليم المقاومة للأسيرات وسط مشهد شعبي بهيج، ما قلب السردية الإسرائيلية.
مجازر متجددة بعد استئناف إسرائيل الحرب على غزة
في فجر 18 آذار (مارس) 2025، أفاق قطاع غزة على دوي انفجارات لم يشهد مثلها حتى في أقسى أيام الحرب السابقة. شنّ الاحتلال في ليلة واحدة فقط «نحو ثمانين غارة استهدفت عشرات المنازل المأهولة من أقصى شمالي القطاع إلى جنوبه». لم تكن هذه غارات عابرة، بل كانت كما وصفها فارس «عملية جوية مركّزة» أعلن عبرها انتهاء الهدنة و «العودة إلى الحرب»، مع تعمّد «إيقاع أكبر عدد من الضحايا في الوقت نفسه». في هذا اليوم، ارتقى أكثر من 400 شهيد، منهم 174 طفلاً و89 امرأة و32 مسنّاً، إلى جانب قادة في الحكومة وفصائل المقاومة ومنهم الناطق العسكري باسم سرايا القدس «أبو حمزة».
التجويع سلاح والإذلال سياسة
كشفت تقارير فارس عن استخدام إسرائيل التجويع كسلاح حرب، إذ منعت دخول المساعدات لمدة خمسين يوماً، وحولت نقاط التوزيع – تحت غطاء «مؤسسة غزة الإنسانية» – إلى مصائد للموت، حيث استشهد وأصيب نحو 900 جائع خلال 40 يوماً من عملها. وصف كيف حولت هذه السياسات المجتمع المتماسك إلى ساحة صراع على البقاء، وسط أزمة نقدية طاحنة جعلت الحصول على العملة الورقية يكلف نصف الراتب.
من غزة: تشييع السيد حسن نصر الله
خصّص فارس مقالاً مؤثراً لشهادة غزة على تشييع قائد «حزب الله» الشهيد السيد حسن نصر الله، واصفاً إياه بأنه قاد معركة الإسناد الأكثر صدقاً في التاريخ الحديث. كتب: «زمن نصر الله كان ذهبياً لفلسطين»، معبراً عن الامتنان والعرفان الذي يشعر به كل فلسطيني تجاه هذا القائد الذي جعل من قضيتهم قضيته.
المفقودون... جرح مفتوح
ربما تكون تقارير فارس عن عائلات المفقودين من أكثر ما كتبه إيلاماً. وصف الحيرة المميتة لأهالي الآلاف المفقودين تحت الركام، الذين يقضون أيامهم يزورون فرق الدفاع المدني متفرسين في الجثامين المتحللة. نقل قصة أبو مصطفى الذي يحفر بخمس طبقات من الركام بحثاً عن جثمان نجله، بينما تعيش العائلة في المنزل المدمر نفسه مع جثمان الابن غير المنتشل!
شهود الإبادة: الصحافيون يرتقون شهداء
على مدار عام 2025، كتب يوسف فارس عن زملائه الصحافيين الذين ارتقوا شهداء. كتب عن محمد منصور مراسل «فلسطين اليوم» وزوجته، اللذين اغتيلا في شقتهما في خان يونس بصاروخ مُسيّر، ثم عن حسام شبات مراسل «الجزيرة مباشر» الذي ارتقى وهو يجري مقابلات مع نازحي بيت حانون. ولكن الأكثر قسوةً تلك المشاهد عندما تحوّلت الخيمة المجاورة لمستشفى «ناصر» في خان يونس إلى محرقة مفتوحة على الهواء مباشرة. رأى العالم عبر الشاشات زميله أحمد منصور من وكالة «فلسطين اليوم» وهو «يُحرق حياً» أثناء دوامه المسائي، بينما التهمت النيران حلمي الفقعاوي حتى الموت، وسقط معهما يوسف الخزندار.
180 مقالاً نقلت الأحداث والمجازر وشهادات الناجين من الموت
وكذلك نعى يوسف فارس زملاءه حسن إصليح وأنس الشريف ومحمد قريقع. ثم كانت مجزرة مستشفى «ناصر»، التي راح ضحيتها حسام المصري، ومريم أبو دقة، ومحمد سلامة، ومعاذ أبو طه، وأحمد أبو عزيز.
برج شوا حصري نسخة تل أبيب: إيران ترد بالمثل
في خضم تغطيته اليومية لويلات غزة، خصص يوسف فارس مساحة في حزيران (يونيو) 2025 لتوثيق تداعيات الحرب الإسرائيلية على إيران، منكِّباً بذلك على زاوية مُغيّبة في التغطية الإعلامية العربية والدولية. قدّم فارس الحدث عبر عيون وقلوب الغزيين الذين عاشوا تحت القصف لـ20 شهراً. ووصف لحظات مسائية عفوية عندما كان وابل الصواريخ العابر «يضيء السماء»، فـ «تضجّ خيام النازحين بالتهليل والتكبير والفرح»، كأنها لحظة انتقام رمزي وإحقاق لكسر شعور العزلة القاتل. لم يفته أن يسجل المقارنات الشعبية الساخرة التي أجراها الغزيون بين الدمار في تل أبيب وخراب أبراجهم، ناقلاً تعليق أحد النشطاء: «برج شوا حصري نسخة تل أبيب».
سنتان من التوحش... خلاصة إحصائية للدمار
في تقارير تلخيصية، قدم فارس أرقاماً صادمة عن سنتين من الحرب: تدمير 80 في المئة من الكتلة العمرانية في غزة، ومحو مدن بأكملها مثل رفح وخان يونس وبيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا ومدينة جباليا، ومناطق واسعة من أحياء الشيخ رضوان والشجاعية والزيتون والتفاح، وتدمير 293 مدرسة و12 جامعة بشكل كلي، و36 مؤسسة صحية من بينها 10 مستشفيات مركزية.
ومع دخول الشتاء، وثّق فارس المأساة الجديدة للنازحين في الخيام البالية التي لا تقي من البرد ولا من الأمطار، حيث تحولت المخيمات إلى وحل وغرق الأطفال. كما سلط الضوء على معاناة أكثر من ثلاثين ألف معوّق خلّفتهم الحرب.
في عام 2022 خصصت جريدة «الأخبار» عددها الختامي للحديث عن الشهداء. كتب الزميل يوسف فارس مقالاً بعنوان «أنا ابن أبي وابن أمّي... ونفسي» (31 كانون الأول 2022) تحدث فيها عن قصة 16 شهيداً من الضفة الغربية والقدس من بينهم عدي التميمي وإبراهيم النابلسي وجميل العموري وتامر الكيلاني، وكان هذا أعمق ما كتب عن الشهداء، مشاعر إنسانية صادقة مع شهادات عائلية وأصدقاء جعلت من عامنا وداعاً لهم ومواساة لعائلاتهم.
خلال عام 2025، كتب يوسف فارس 180 مقالاً، رسم بانوراما كاملة لعام 2025 في غزة: عام من مجاورة الشهداء، والمجازر المتكررة، والتجويع الممنهج، والدمار، والمقاومة المستمرة، والمعاناة الإنسانية التي تُجاوز كل حدود التصوّر. نأمل أن يكون 2026 أفضل حالاً على أهلنا في غزة، وأن نبقى نقرأ يوسف فارس وأن نزوره في عسقلان محررة.

