بريجيت باردو... الآلهة البدائية والخالدة
بريجيت باردو (1934 ــ 2025) امرأة أخرى، لا تتغير، هي نفسها، دائماً ناضجة ودائماً قاصر، تتحطم وتتكسر، في بعض المشاهد، كحبة رمّان.


بريجيت باردو (1934 ــ 2025) امرأة أخرى، لا تتغير، هي نفسها، دائماً ناضجة ودائماً قاصر، تتحطم وتتكسر، في بعض المشاهد، كحبة رمّان. إنها عطر وجريمة قتل ومنزل مشبوه، الشيطان يغمز في كلّ ارتعاشة من وجهها الهش، الصريح. كانت صافية وعكرة، وجهها ثابت في خطوط الطفولة الرقيقة. كيف تناغمت براءة ملامحها مع صدرها ووركيها وحوضها، أي نوع من الرفقة يجمع بينهما؟
بريجيت باردو المرأة الطفلة أفسدت السينما، مُختزلة إياها إلى وحش جميل أشعث.
تتوالى صور باردو المختلفة اليوم بعد رحيلها، وتتناوب عبر مراحل حياتها المتنوعة، بنبرات تتراوح بين الرقة والعمق، مؤكدةً استمرارية فكرها، متناقضةً بينها على مدى عقود.
«كانت تُغوي حتى القديسين»، كتبت سيمون دو بوفوار، وفي مقالها «بيرجيت باردو ومتلازمة لوليتا» قالت: «عندما تتعرى، لا تكشف عن سرّ، إنها تُظهر جسدها، لا أكثر ولا أقل، وهذا الجسد نادراً ما يستقر في حالة من الجمود. تمشي، ترقص، تتحرك. إثارتها الجنسية ليست سحرية، بل عدوانية، في لعبة الحبّ، هي صيادة بقدر ما هي فريسة».
جمعت باردو دوري الفتاة الساذجة والمرأة الفاتنة، إنها الأنوثة الأبدية بكل جوانبها، إنها الآلهة البدائية والخالدة. كانت كلّ شيء إلا الأمّ. في مقابلاتها ترفض الحديث عن ابنها، صرّحت بأنها لا تريده «مختلطاً بصورتها العامة»، قالت: «الجميع يعلم أنه لا يكبر معي»، كانت كلمات غضب وكرامة وألم، رفضاً للكذب ولو للحظة، رفضاً للتظاهر بدور الأم الذي لا يليق بها ولم يكن يوماً من أدوارها.
وُلدت عام 1934، وجدت شغفها الأول، الرقص. وفي الرابعة عشرة من عمرها، التحقت بمعهد باريس للموسيقى، لكن صرامة أساليب التدريس وقسوتها دفعتاها إلى تركها بعد عام. كان الشوق إلى الحرية والاستقلالية متأججاً، بدأت في سن الخامسة عشر العمل كعارضة أزياء. كان لظهورها في السينما تأثير في فرنسا والعالم أجمع. ومنذ ذلك الحين أصبحت تُلقّب بـ«بي بي»، المرأة الطفلة متأرجحة بين الجرأة والبراءة، وفي وقت قصير أشعلت العالم.
لفتت المخرج مارك أليغري، وفي الاستديو الخاص به، التقت بروجي فاديم، كان حبّاً من النظرة الأولى. كانت في الـ15 من عمرها، بينما كان هو في الحادية والعشرين. عندما علم والداها بالأمر، كانت مأساة، فحاولت والانتحار، لكن لا وقت للموت. هناك أغلفة مجلات في انتظارها، وعروض عمل، واكتشاف حملها، وإجهاضها في سويسرا. وأخيراً في سنة 1952، في الـ18 من عمرها ودقيقة واحدة، تزوجت فاديم.
عاشت في فندق، وجرّبت الحبّ الحرّ، مع عملية إجهاض ثانية بالغة الخطورة. وفي فترة استراحتها في إيطاليا، شاركت في فيلم «هيلين طروادة» (1956، «Helen of Troy) لراوول والش وروبرت وايز، وفي فيلم «عشيقة نيرون» (1952، «Niron’s mistress»). ثم في فرنسا، شاركت بدور صغير في فيلم لرينيه كلير. وفي هذه الاثناء، كان فاديم يعمل كمخرج على الدور الذي سيخلد اسمها: جولييت، في فيلم «... وخلق الله المرأة» (1956، «…And God Created Woman»)، كانت يتيمة في الفيلم ذات ميول جنسية متحررة، تقع في حبّ رجل، لكنها تتزوج في النهاية من آخر، بعد سنة من الفيلم انفصلت عن فاديم.
كان لبريجيت اسلوبها الخاص، ترتدي الجينز والقميص، وكان شعرها أشعث طويلاً. ظهرت في كان بصورتها الشهيرة مع بيكاسو. وفي موقع تصوير في سان تروبيه، المدينة التي عشقتها، وقعت في غرام جان لوي ترينتينيان، الذي اضطر، مع ذلك، إلى مغادرة المدينة للمشاركة في حرب الجزائر. لم تأخذ نفسها على محمل الجدّ، لأن «الأفلام بمثابة واحات صغيرة في الحياة». توالت عليها العقود، وزواج ثانٍ سنة 1959 من جاك شاريه (أنجبت منه ابنها الوحيد)، ثم كان لقاؤها بجان لوك غودار في فيلم «ازدراء» (1963، «Le Mépris»)، الفيلم الذي لا يصوّر فقط نهاية قصة حب في زواج، بل يُظهر أيضاً علاقة غودار بالفنّ والسينما، خير تصوير لأزمة الحداثة وعُصاب المثقف في مواجهة تناقضات عصره. ثم شارك في فيلم لوي مال «تحيا ماريا» (1965، «Viva Maria»)، ثم جاء زواجها الثالث في لاس فيغاس.
اعتزلت التمثيل عند بلوغها الأربعين سنة 1973، وتركت وراءها أكثر من أربعين فيلماً. كان فيلم «الحقيقة» (1960، «The Truth»)، لهنري جورج كلوزو، أحد أكبر التحديات التي واجهتها. كان أداؤها عظيماً، ولكنها كانت منهكة عاطفياً. عُرف كلوزو بدفع الممثلات إلى أقصى حدود قدراتهن. في نهاية التصوير، حاولت الانتحار. رغم ذلك، احتفظت بذكريات جميلة عن تلك التجربة، فقد صرّحت مرة أنّ جميع أفلامها يجب أن تختفي باستثناء «الحقيقة».
قلّد الجميع بريجيت، في الأفلام وفي الحياة، عاشت حقبة الستينيات الرائعة، بين سيارات رولز رويس والشورتات، لفترة طويلة عاشت منعزلة، بسلام مع حيواناتها وتجاعيدها (كانت عمليات التجميل محرّماتها الوحيدة). أدلت بتصريحات عنصرية، كانت يمينية، وأعلنت نفسها معادية للحركة النسوية، وشعرت بقرب أكبر من الحيوانات وخاضت معارك عديدة للدفاع عنها، وقالت: «أنا لست من الجنس البشري، ولا أريد أن أكون، أشعر بالاختلاف، بل بالغرابة». في فيلمها الأخير «قصة كولينوت المُلهمة والمبهجة» (1973، «The Edifying and Joyous Story of Colinot») الذي لم يكن كذلك أبداً، أنقذت جدياً صغيراً كان مُعداً ليصبح الطبق الرئيسي. انقاذ ذلك الجدي منحها القدرة على تخيّل حياة جديدة، بعيدة عن عالم السينما، مُكرّسة لحكاية الحيوانات.
على مرّ الزمن، أصبحت باردو الشخصية الأكثر تداولاً في فرنسا وخارجها. فالكتب والمؤتمرات والقصص المصورة والألبومات والصور الشخصية لا تُحصى، كيف لنا أن ننسى الصورة التاريخية التي رسمها آندي وارهول؟ حياتها الخاصة، أزواجها وعشاقها يملأون كتباً، من كلّ طبقات العالم: ممثلون، وأمراء ودوقات، وسياسيون، وقادة صناعة، وصحافيون وكتّاب، ومغنون وكتاب أغاني، وشباب وسيمون صادف مرورهم، «عندما لا أكون مغرمة، أصبح قبيحة»، قالتها مرة. طريقتها في الظهور والقول والعيش، فتحت للنساء باباً ليرين حقهن في أن يكنّ مثلها. أحبّها كثيرون، لكن جان كوكتو وحده وجد العبارة التي لا يُضاف بعدها شيء: «وضعها القدر في المكان الذي يندمج فيه الحلم والواقع. جمالها وموهبتها لا جدال فيهما، لكنها تمتلك شيئاً آخر، شيئاً مجهولاً، يجذب عابدي الآلهة في عصر حُرم من الآلهة».
