السينما الغربية في 2025: ما لا تراه الخوارزميات
شهدت السينما الغربية في 2025 أفلاماً استحضرت التاريخ بوصفه عنصراً فاعلاً في الحاضر، وطرحت قضايا الهوية والذاكرة والسياسة والاقتصاد عبر أنواع متنوّعة، من الرعب إلى الكوميديا السوداء.


شهدت السينما الغربية في 2025 أفلاماً استحضرت التاريخ بوصفه عنصراً فاعلاً في الحاضر، وطرحت قضايا الهوية والذاكرة والسياسة والاقتصاد عبر أنواع متنوّعة، من الرعب إلى الكوميديا السوداء. تزامن ذلك مع أزمة صناعة واضحة، أبرزها استحواذ نتفليكس على «وارنر براذرز»، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل العرض السينمائي
بدا أنّ عدداً من الأفلام الأكثر إثارةً وحيويةً وجرأة، وتلك التي خاضت أكبر المخاطر أو تناولت أكثر الأفكار إشكاليةً هذه السنة، كانت متناغمة مع فكرة أن للتاريخ امتدادات طويلة تمتد إلى الحاضر بطرق لا نتوقعها أبداً.
أرض خصبة للتناقضات
كأن السينما هذه السنة تقول لنا إنّه لا يمكننا الهروب من الماضي، وربما من الأفضل عدم محاولة إعادة كتابته. كانت أفلام هذه السنة أرضاً خصبة للتناقضات، تتقاطع فيها الخاصية الحميمية مع السياسة، وتقع بين الذاكرة الشخصية والسرديات الجماعية الكبرى. وليس من قبيل المصادفة أن تظهر أفلام تستكشف الهوية، والحزن، والذاكرة التاريخية، والصراعات الأخلاقية في عصرنا. نظرت سينما العام إلى الحاضر من دون إغفال الماضي، وحوّلت المأساة إلى مهزلة عبثية.
في أميركا، بات الصدام بين الفضائل ومناخ الاضطهاد والبارانويا أمراً معتاداً. محاكاة ساخرة، ورعب أظهر أغرب المعتقدات التي يمكن تخيّلها، وفي الوقت نفسه نقد لاذع لأشد ممثلي الرأسمالية.
أوحت سينما 2025 أن العالم والمجتمع المعاصر اليوم أكثر تعقيداً مما توحي به الخوارزميات، وحذّرتنا إلى ما يمكن أن نصبح عليه على مذبح التعصّب والإفراط والمؤامرة. وإذا لم نكن حذرين بما فيه الكفاية، كلّ ما هو إنساني يمكن أن يختفي منّا. مع ذلك، كان هناك بصيص أمل، ضوء خافت متردد، ملاذ آمن في الفنّ.
المشكلات مستمرّة
كان هذا العام عاماً جيداً للسينما. لم تكن هناك روائع، ربما هذا الوصف لم يعد ينتمي إلى هذا العصر، لكنه كان عاماً آخر مروعاً ومؤلماً للصناعة في المجمل. قائمة المشكلات مألوفة، قلة إصدارات الاستديوهات، ارتفاع كلفة الذهاب إلى السينما، ورغبة الناس في مشاهدة الأفلام في البيت وغيرها الكثير. لكن لم نكن نتخيل حتى في أسوأ كوابيسنا السينمائية أن النصف الثاني من هذه السنة سيحمل معه تحولاً درامياً كبيراً هو استحواذ نتفليكس على «وارنر براذرز»! خطوة تجارية قد تُغيّر الاستديوهات إلى الأبد.
من المفارقات أنّ هذا العام كان عاماً رائعاً لـ «وارنر براذرز» على صعيد شباك التذاكر. لقد اختارت الشركة إنتاج أفلام ذات ميزانيات ضخمة للوصول إلى جمهور واسع، من دون إهمال رؤية المخرجين الكبار، وتركها لفترات طويلة في صالات السينما، وهذا أمر لا نعلم إن كانت نتفليكس ستحافظ عليه.
شهدت الأشهر الـ12 الماضية إنجازات سينمائية مثيرة، مغامرات متدفقة، عائلات مفككة، ودراما تاريخية لاذعة، أفلام محاكم وأفلام هجاء، رعباً مزّق الأعصاب، ودموعاً رافقتنا وكذلك تجمعات بهيجة. يبدو أنّ محاولة تلخيص الأشهر الاثني عشر السينمائية الماضية صعبة بشكل كبير، إن لم تكن مجنونة. ولكن، إليك أفضل أفلام السنة، التي ستلهمك لمواصلة مطاردة تلك اللحظة عندما تنطفئ الأضواء، وتضيء الشاشة، وتشعر كأنّك على وشك القفز من مقعدك.
■ ■ ■
«العميل السرّي» (The Secret Agent) – البرازيل
تضفي هذه الدراما المشوّقة لمسةً جديدةً على عناصر الإثارة السياسية. يصوّر البرازيلي كليبير مندونسا فيلو ببراعة كيف يتغلغل الفساد الحكومي في أعلى هرم السلطة ليدمّر حياة الناس العاديين. تتضح نبرة الفيلم الفريدة منذ البداية: إننا في البرازيل عام 1977. يقدم فاغنر مورا أداءً عظيماً في دور مارسيلو. يمزج الفيلم بين الأنواع السينمائية، مقدماً لنا كرنفالاً، وشبكة مقاومة سرّية، وقتلة مأجورين، وساقاً مبتورة، وعلاقة مؤثرة بين مارسيلو وابنه. «العميل السرّي» كبسولة اجتماعية سياسية تحمل في طياتها فظائع مؤلمة تأثيرها لا يزال حاضراً إلى اليوم.
«معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) – الولايات المتحدة
يُكمل المخرج الأميركي بول توماس أندرسون في فيلمه الجديد مراجعته الخاصة لتاريخ أميركا وحاضرها. شريط جاد في طرحه، جريء، ومبتكر، بإيقاع وفكاهة الكوميديا التهريجية. يُعبّر الفيلم عن اللحظة الراهنة، زمن الفوضى والحكومات الاستبدادية والمؤامرات، زمن تغيير الأنظمة والدوار الناتج من عدم معرفتنا ما إذا كنا سنتمكن من أن نكون موجودين في المستقبل القريب. شريط عظيم يواجه أزمة الهجرة غير الشرعية كعرض جانبي لأزمة اقتصادية وأخلاقية وبيئية وترامبية أكبر.
«صراط» (Sirât) – إسبانيا
فاجأنا المخرج أوليفر لاكش في «مهرجان كان» بفيلمه الذي يتناول الموت كقوة دافعة للحياة. في الفيلم الذي يشير عنوانه إلى الصراط المستقيم، تلتقي أفكار الترحال في عشيرة جذابة من الشخصيات الهامشية: فرقة من المنبوذين بأجسادهم المشوّهة وبشرتهم المدبوغة، يسيرون نحو الهاوية، في بحث قد يبدو كأنه هروب. «صراط»، رحلة حسّية وشاعرية وسياسية وسادية حول استحالة الخروج من النظام. في منتصف الفيلم الذي يمتد على ساعتين، تنفجر المآسي التي يُلمَّح إليها في البداية، وبأسوأ طريقة ممكنة، بسادية وبسيل من الضربات القاسية والتلاعب العاطفي والإثارة التي لم نكن مستعدّين لها إطلاقاً.
«أمسيات العزلة» (Afternoons of Solitude) – إسبانيا
يُصوّر هذا الوثائقي عجز الثور المقبل على الموت، ووحدة مصارع الثيران. «أمسيات العزلة» ليس عملاً يُعنى بالاستعراض، بل دراسة للمعاناة الروحية لمصارعة الثيران. أندريس روكا ري، مصارع الثيران ونجم حلبة المصارعة بلا منازع، يملأ الحلبة بهيبة ملك ورشاقة نسر. أمامه، يقف ثور، مهيب شرس يرفض موته المحتوم، ويقاتل بشجاعة، كاشفاً عن عبثية السلوك البشري. يا له من إخراج رائع من ألبرت سيرا، وإتقان مذهل للصوت والمونتاج! تبدو أنفاس الثور ومصارعه كأنها تخترق الشاشة. يخرجنا سيرا من منطقة راحتنا، ويقربنا أكثر من الموت.
«مارتي العظيم» (Marty Supreme) - الولايات المتحدة
يُجسّد تيموثيه شالاميه بمهارة شخصية البطل المضاد: شاب أناني ومخادع يحلم بكلّ عبثية أن يصبح بطل العالم في تنس الطاولة. يحوّل هذا المزيج من الطموح الطفولي والدهاء إلى حضور آسِر في فيلم جوش صفدي. يكشف فيلم «مارتي العظيم» عن نفسه كدراسة شخصية متنكرة في فيلم رياضي لا يهدأ، نابض بالحياة وممتع إلى حد يصعب مقاومته. تكمن فرادة الفيلم في رؤيته لليهودي الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية. بعيداً من صورة «البطل الثقافي» المكرّسة، يقدّم صفدي شخصية فوضوية، انتهازية، وغير مثالية، بلا أي هالة رمزية.
«قيمة عاطفية» (Sentimental Value) - النرويج
يقع هذا الفيلم في مكان ما بين الدراما العائلية، وبين قصة أكثر تعقيداً وتفصيلاً عن الآباء والأبناء والصدمات العاطفية التي تنتقل من جيل إلى جيل، وكيفية ارتباط منزل واحد وأجيال عدة من العائلة عبر التاريخ وعبر السينما. يصوّر النرويجي يواكيم ترير، الفنان والأب المتمركز حول ذاته، ولا يعتذر عن مشاعره، لكنه يحمل حباً حقيقياً واهتماماً صادقاً لابنتيه.
«قيمة عاطفية» حسّي عظيم، يقف أحياناً على حافة العين، يمنع الدموع من الانهيار، ثم حين ينتهي يتركها تنهمر، ويبقى داخلك محاولاً مواساتك.
«صوت السقوط» (Sound of Falling) – ألمانيا
عمل ساحر ومؤلم، يبتعد كلياً عن الممارسة السينمائية التقليدية في السرد والإخراج. يستكشف ندوب التاريخ والعنف الجنسي ضد المرأة وقسوة الطفولة والعلاقات الطبقية، من دون أن يختزل نفسه في موضوع المرأة رغم حضوره القوي فيه. جامح وطموح، يحتضن أجيالاً ومصائر متشابكة. وقد أبدعت المخرجة ماشا شيلينسكي في تقديم رؤية مبهرة لمصير النساء الألمانيات تحت النظام الأبوي وتقلبات القرن العشرين بكل ثقله.
«مجرد حادث» (It Was Just an Accident) – إيران
يُجبر المخرج الإيراني جعفر بناهي منذ زمن طويل على تصوير أفلامه سراً. بعد قضائه فترتي سجن، صدر بحقه أخيراً حكم جديد بالسجن لعام إضافي، إلى جانب منعه من السفر. ليس مفاجئاً، في ظل هذه الظروف، أن يكون فيلمه الجديد نقدياً جداً تجاه النظام. لكن اللافت أنّه رغم قسوة الفيلم السياسية، إلا أنّه يفيض بالإنسانية والتفاؤل والفكاهة الساخرة. يحمل «مجرد حادث» ثقل ما يروي، حيث يتجرأ بناهي على أخذ النظام الإيراني رهينةً، وحتى تقديمه لمحاكمة ولو موجزة. يفجر يناهي معضلته الأخلاقية عن ضحايا تتصارع عاطفياً مع فكرة رؤية جلاديها في الشارع. أبطال بناهي (وربما هو أيضاً) يطرحون على أنفسهم السؤال نفسه: ما العمل عندما يكون جلادك ضعيفاً بين يديك؟
«هامنت» (Hamnet) – الولايات المتحدة
فيلم كلوي جاو عن وفاة ابن شكسبير، ينقل رواية ماغل أوفاريل إلى الشاشة بكل بلاغتها وقوتها العاطفية. كان من السهل أن يقع العمل في فخ العاطفية المفرطة أو الميلودراما عند تناول أثر رحيل هامنت، ذي الأحد عشر عاماً، على والديه المفجوعين، ومسرحية «هاملت». مع ذلك، يظلّ الفيلم شديد التأثير، بفضل عمق وصدق أداء ممثليه، جيسي باكلي في دور أغنيس، زوجة شكسبير، امرأة قوية الإرادة تشكّل القلب الحقيقي للفيلم، وبول ميسكال الذي يمنح شكسبير إنسانيةً دافئة وواقعية. «هامنت» واحد من أكثر الأفلام سحراً هذا العام، بمواضيعه التي يتقاطع فيها الحبّ والفنّ والموت والحزن.
«لا خيار آخر» (No Other Choice) – كوريا الجنوبية
يقدّم بارك تشان ووك في فيلمه الكوميدي الساخر، إنجازاً جديداً يُضاف إلى مسيرته في كوميديا سوداء صاخبة، مليئة بالتحولات الخيالية والشخصيات الغريبة والأفكار الجامحة. مع ذلك، يظل بارك متعاطفاً بعمق مع بطله التعيس، ويستخدم فوضى الفيلم ليطرح أسئلة حادة حول آثار تسريح العمّال الجماعي والرأسمالية وصعود الذكاء الاصطناعي.
«آلة السحق» (The Smashing Machine) – الولايات المتحدة
فيلم يوثق الحياة داخل وخارج الحلبة لمقاتل الفنون القتالية المخالطة والمصارع مارك كير (دواين جونسون، الذي خاض هنا بنجاح كبير تجربة سينمائية بعيدة من أدواره المعتادة في الأكشن والكوميدي). يقدم الفيلم رؤية متماسكة لرياضة غالباً ما يُنظر إليها بتبسيط مخل على أنها مجرد عنف. الخوف، وهم السيطرة، الهشاشة، والرغبة في التحكم، كلها عناصر يحقنها بيني صفدي في قلب الفيلم، ليُعيد تشكيل فيلم الرياضة القتالية بطريقته الخاصة، ويكشف عن أبعاد جديدة في أداء بطله الذي طالما حُصر في أدوار نمطية. يدفع صفدي بفيلمه إلى أقصى الحدود الجسدية والنفسية. الكاميرا هنا لا تراقب من بعيد، بل تقترب بشكل شبه فاضح من أجساد الممثلين، تلامسهم، تتنفس معهم، وتكاد تفضح هشاشتهم.
«انعكاس في ألماسة ميتة» (Reflection in a Dead Diamond) – فرنسا
تشكّل السينما الأوروبية الشعبية في الستينيات والسبعينيات مصدراً لا ينضب للمخرجين الفرنسيين إيلين كاتيه وبرونز فورزاني. أفلامهما ليست تكريماً لأفلام الماضي، ولا تحديثاً لها، وبالتأكيد ليست عروضاً ما بعد حداثية، بل إنها مزيج من كل شيء. لقد صنعا عالماً خاصاً بهما لا يشبه شيئاً. «انعكاس في ألماسة ميتة» انفجار سينمائي، منشغل بالاستمتاع بمتاهة الصور. هو فسيفساء من الأنماط والأنواع، تجربة غنية بصرياً سمعياً. يحتفل الفيلم بالسينما مفكّكاً أشكالها. ومهما كان غامضاً، فهو ممتع جداً للعين والأذن.












