Mono-Pause: حياة بيتي توتل صعبة!
تعرض Mono-Pause تجربة امرأة تختار الانسحاب المؤقت من أدوارها العائلية والمهنية، كفعل صامت لمواجهة الإنهاك المتراكم.


تعرض Mono-Pause تجربة امرأة تختار الانسحاب المؤقت من أدوارها العائلية والمهنية، كفعل صامت لمواجهة الإنهاك المتراكم. تركّز المسرحية على العلاقة بين المسرح والمتفرّج، وعلى تمثيل الحقوق النفسية غير المرئية للمرأة، عبر سينوغرافيا مألوفة، وأداء متقشّف، وتوازن دقيق بين الكوميديا والألم اليومي
حين وصلتني دعوة بيتي توتل لحضور مسرحية Mono-Pause، اقترحت عليّ أن أدعو أمّي لمشاهدتها معي. لم يكن اقتراحاً عابراً. أمّي، التي بدأت في المدة الأخيرة تقترب من المسرح مشاهِدةً، وممثلة مبتدئة، بفضولها وانفعالها الصادق. في تلك الليلة، لم أكن أعرف أنني سأُشاهد مسرحيتين: واحدة على الخشبة، وأخرى في الصالة.
كنت أتابع بيتي توتل على المسرح، وفي الوقت نفسه أراقب ردود فعل أمّي: نظرة تتوقّف طويلاً، ابتسامة خجولة، دمعة تُحبس في لحظة، وضحكة تولد فجأة. شيئاً فشيئاً، بدأت أُدرك أن ما يحدث أمامي يفوق مبدأ العرض، إنه سلسلة مرايا. بيتي على الخشبة صارت مرآة لأمّي، وأمّي في الصالة صارت مرآة لها. وفي لحظة صامتة ومؤلمة، وجدت نفسي أسأل: هل حمّلتُ يوماً أمّي أكثر مما كانت قادرة على الاحتمال؟
Mono-Pause ليست مسرحية عن الاختفاء بقدر ما هي مسرحية عن الإنهاك الصامت. عن امرأة تختار أن تختفي أسبوعاً واحداً، لتتجاوز بذلكَ الفعل الدراميَّ الصاخب نحو وقفة داخلية عميقة. هو اختفاء غير مُبلَّغ عنه، لا تعرف به العائلة ولا الزوج ولا المحيط، سوى صديقة واحدة تُستودَع السر ويُطلب منها ألّا تُخبر أحداً. ليس عقاباً، ولا تمرّداً مباشراً، بل انسحاب هادئ من أدوار استهلكت المرأة حتى صارت غير مرئية.
هذا الاختفاء بدا لي، وأنا أراقب أمّي، كأنه دعوة لا واعية لاستعادة الانتباه. ذاك الانتباه الذي يُسلب بصمت حين تُعطي المرأة الجميع: بناتها، زوجها، عائلتها، وحياتها اليومية، من دون أن يُسأل عمّا تحتاج إليه هي.
بيت نعرفه... ولذلك يوجع
السينوغرافيا في Mono-Pause من أكثر عناصر العرض صدقاً. البيت الذي تختبئ فيه – بيت صديقتها – حقيقي ومألوف، يشبه بيوتنا إلى حدّ الإرباك: بيت عمّة، خالة، أخت، أم وجارة. أثاث غير مصقول، غير حديث، يوحي بأنّ هناك من عاش هنا فعلاً، وما يزال يحمل أثر الحياة اليومية.
كوميديا صادقة
تخرج من قلب المأساة من دون أن تُفرغها
من معناها
بهذا الاختيار، لا تُدخلنا السينوغرافيا إلى عالم بيتي توتل، بل تُدخل عالمنا نحن إلى المسرح. تجعلنا نُسقط صور نساء نعرفهن، يعشن الحالة نفسها، لكننا لا ننتبه إليهن. وهذا ما يميّزها جذرياً عن كثير من العروض التي تعتمد ديكورات لامعة تشبه واجهات معارض الأثاث: جميلة، لكنها بلا روح. هنا، كل قطعة تحمل ذاكرة، وكل زاوية تسمح بالتماهي.
شاعرية الحلم... وصدق الواقع
في مشاهد الحلم والمونولوجات الشاعرية استحضار حميمي لحساسية جمالية مشتركة. يشعر المتفرّج كأنه يقف أمام لوحة شاعرية حقيقية، طفولية، تُذكّر بلوحات فان غوغ حيث الجمال البصريّ يخفي اضطراباً نفسياً عميقاً وشعوراً بالوحدة والحزن الدفين، وبشاعرية فيروز والرحابنة حيث الطفولة حاضرة لكن مشوبة بقلق الزمن.
بيتي توتل، في كتابتها وإخراجها وأدائها، تُجسّد هذا العالم بتواضع نادر بعيد من الادّعاء، والاستعراض الخطابيّ. حضورها يذكّر بالممثّل الشاعري في أنقى تجلّياته. ذاك الذي لا يفرض المعنى، بل يسمح له أن يمرّ بهدوء إلى المتفرّج.
كوميديا تولد من الحقيقة
ما يميّز Mono-Pause أيضاً هو دخول الكوميديا بطريقة ذكية، متواضعة، غير مفتعلة. الضحك الذي لا يُستدرج ولا يُستجدى، إنّما يولد من اللحظة نفسها. كوميديا معيشة، صادقة، تخرج من قلب المأساة من دون أن تُفرغها من معناها. والشراكة مع الممثل القدير جاك مخباط، عمّقَت هذا التوازن. ديناميكية بين شخصيتين تعيشان الألم من زاويتين مختلفتين: واحدة واعية لمعاناتها، وأخرى تعيشها في حالة إنكار.
الحقوق التي لم تُمنح بعد
لا تظهرُ المرأة في Mono-Pause ضحية اجتماعية تقليدية. هي امرأة نجحت: أم، عاملة، مثقفة، خرجت إلى سوق العمل ونالت حقوقها القانونية والاجتماعية. لكن المسرحية تُحرّضُ على تساؤلٍ أكثر إيلاماً: ماذا عن الحقوق النفسية؟
حقّ المرأة في الخصوصية، في التقدير، في الاهتمام داخل العائلة نفسها. نضالها منحها موقعاً، لكنه لم يمنحها الإصغاء دائماً. جعلها شريكةً في العمل، لكنه لم يحرّرها من شعور الذنب الأمومي الذي يدفعها إلى سحق ذاتها باسم الحب والواجب.
بهذه المهارات التمثيلية الصادقة، تتحوّل بيتي توتل من ممثّلة على خشبة إلى حضور حيّ داخل بيوتنا. تُشعِرُنا بأننا نشاهد شخصية تعيش معنا أختاً، أمّاً، جارة، عمّة، أو أي امرأة نعرفها ولم نُصغِ إليها بما يكفي. صدقها يصل بلا ادّعاء أو زينة، ومن دون أي استجداء للعاطفة أو للضحك.
في تلك الليلة، لم أخرج وأنا أحمل رأياً عن مسرحية فقط، بل خرجت وأنا أنظر إلى أمّي بطريقة مختلفة. وربما هذا هو أقصى ما يمكن أن يفعله المسرح: أن يجعلنا نرى من نحبّهم… قبل أن يختفوا بصمت.
• Mono-Pause: حتى 4 كانون الثاني (يناير) - الساعة 8:30 مساءً - «دوار الشمس» (بدارو). للاستعلام: 01/381290
