ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

يواكيم ترير... سينما متجذّرة في الإنسان

ثقافة
|سينما
حفظ المقالة

خلف برودة المشهد الإسكندنافي، تكشف السينما النروجية عن حساسية إنسانية عميقة، تتناول الاغتراب، والصحة النفسية، والعلاقات الهشّة بلغة الصمت والنظرات.

شفيق طبارة
شفيق طبارة
الثلاثاء 13 كانون الثاني 2026
من فيلم «قيمة عاطفية» (2025)
من فيلم «قيمة عاطفية» (2025)
الخط

خلف برودة المشهد الإسكندنافي، تكشف السينما النروجية عن حساسية إنسانية عميقة، تتناول الاغتراب، والصحة النفسية، والعلاقات الهشّة بلغة الصمت والنظرات. تعود أفلام يواكيم ترير إلى بيروت عبر سينما «متروبوليس»، بوصفها مرآة دقيقة للحبّ، والذنب، والزمن، وما يتسرّب بين البشر


خلف برودة الطبيعة النروجية، تكمن سينما حميمية نابضة بالحياة. قد تبدو رقيقة وأنيقة وناعمة، لكن خلف هذا المظهر المقصول يكمن مخزون عميق من المشاعر والعلاقات البشرية في قصص تصوّر الاغتراب بين الأفراد وتحديات الصحة النفسية. تنبض هذه السينما عبر عيون شخصياتها، تتحدث بنظراتها وصمتها، والمساحات الهشة بين الناس. إنها سينما عن الحبّ، والصداقة، والجنس، وكلّ ما يقع بين هذه التصنيفات. سينما متجذرة في الإنسانية، لا غير.

وإذا كان هناك من مخرج أسهم في تعريف هذا الحسّ السينمائي، فهو يواكيم ترير. وإذا كان لهذه الأفلام وجه مميز، فهو بلا شك وجه وتعابير ريناته رنسفي وأندش دانيلسن لي.

أربعة مواعيد بيروتية

بدءاً من 15 حتى 18 كانون الثاني (يناير)، تقدّم سينما «متروبوليس» في بيروت، أربعة أمسيات مخصصة لسينما يواكيم ترير. يصنع الأخير سينما بتواضع وامتنان. أفلامه جذابة ومصقولة ومنظّمة ودقيقة، وفي الوقت نفسه منفتحة على الارتجال. يتحدث فيها عن مرور الزمن في العمارة والبشر، والعلاقات الأسرية والصداقة وتحوّل العلاقات البشرية. كما يتعامل مع الشعور بالذنب الذي يعدّ أحد المحرّكات الخفية لسرده. يذكّرنا بأن البروتستانتية الإسكندنافية تبدو دائماً متمسّكة بالفضيلة، لكنها في العمق مشبعة بالذنب.

الاكتئاب والصدمات النفسية بين الأجيال

هناك شيء خارق للطبيعة في أفلام ترير، ليس بالمعنى السحري كما في فيلمه «ثيلما» (2017 ـــــ Thelma) الذي لم ينل حقه في التقدير، بل في مرور الزمن في منزل العائلة في فيلم «قيمة عاطفية» (2025، Sentimental Value ـــ الخميس 15 ك2 ــــ الساعة 7:30).

يمثل هذا المنزل الخشبي الكبير أشياء كثيرة على الشاشة، لكنه قبل أي شيء، يُساعد في وضع مرور الزمن في سياقه من منظور آخر. تحفته هذه عن الاكتئاب والصدمات النفسية المتوارثة عبر الأجيال، وكيفية ارتباط منزل واحد وأجيال عدة من العائلة عبر التاريخ وعبر السينما. يُعالجها ترير برقة بالغة رغم ثقل موضوعها.

ينساب الفيلم بسلاسة عبر قصة متشعّبة، يمر الوقت مثقلاً بالصمت، والمشاعر المُقتطعة، والفراغ المُشترك. في قلب القصة، عائلة مثقلة بالغياب. أب سعى وراء حلمه في صناعة الأفلام، وابنتان نشأتا في بيئة مُفككة.

ينظر الفيلم إلى السينما والفنّ كعملية لا كخلاص. بالنسبة إلى الأب، السينما محاولة لإعادة تنظيم حياته، لإعادة التواصل مع ما كان يُضفي معنى على وجوده. أما بالنسبة إلى ابنته نورا (ريناته رنسفي)، فالمسرح يتيح لها فرصة لمعالجة الصدمة.

يقول النصّ بالضبط ما يجب قوله، والأهم من ذلك، إنه يعرف متى يصمت. الفراغات جوهرية، الفراغ الداخلي الوجودي للشخصيات، والمساحات الواسعة والبسيطة للتصميم الإسكندنافي، ولكن قبل أي شيء، فراغ الصمت. لا يتعلق «قيمة عاطفية» بالعلاج بحد ذاته، بل بالعملية نفسها: أن نخطئ، أن نثابر، وأن نفشل مجدداً، ولكن أن نرغب في أن نخطئ بشكل مختلف في المرة القادمة.

بحثاً عن حياة سابقة في أوسلو

دائماً ما استوحى ترير أفكاراً من أعماله السابقة. ظهر قصر العائلة في هذا الفيلم في نهاية فيلم «أوسلو، 31 آب» (2011 ــــــOslo, August 31st ـــــ السبت 17 ك2 ـــ الساعة 8).

لا يكتفي الأخير بصفعنا، بل يبدو كأنه يسألنا عن سبب وجودنا ويذكّرنا بسبب موتنا. الفيلم مبهر بجماله ووضوحه، مع بطل يقف على حافة الهاوية لا يُنسى. تبدأ الدهشة من المقدّمة: لقطات لمدينة مهجورة على خلفية أصوات داخلية وذكريات شبابية: «المشي الذي لا ينتهي إلى حفلات غريبة حيث لا تعرف أبداً ما إذا كنت مدعواً حقاً أم لا».

تدور القصة حول أندش (أندش دانيلسن لي)، مدمن متعاف يُمنح يوماً واحداً خارج مركز إعادة التأهيل لزيارة أوسلو، ظاهرياً لإجراء مقابلة عمل، لكن رحلته تتحول إلى بحث وجودي بين بقايا حياته السابقة.

خلال ما يبدو يومه الأخير، يحاول استعادة إحساسه بالحياة: يزور صديقه توماس، يحضر مقابلة عمل، يتجول في المدينة، ويقضي ليلة بلا نوم في استكشاف الحياة الليلية. ورغم لحظات الفرح العابرة، تؤكد رحلته في النهاية إيمانه بعبثية كل مساعي الإنسان.

أفلامه جذابة ومصقولة ودقيقة، وفي الوقت نفسه منفتحة على الارتجال

في جوهره، الفيلم دراسة لمحاولة الإنسان خلق بنى للمعنى. ينظر أندش بسخرية إلى أي محاولة لخلق بنية قيم عالمية، معتبراً إياها وهمية وعرضية وعديمة الجدوى. ومع خيبته من قيم الطبقة الوسطى، يزدري الاعتقاد بأن الأمور تسير على ما يرام. في مقابلة العمل، يسخر من محاولة المجلة دمج الثقافة الشعبية بالفنون الراقية لإضفاء طابع خفيف.

أندش في الرابعة والثلاثين يسير في مدينة تبدو مصنوعة من أصوات وصور معزولة. مجال بصري مشوّش هنا، ورجل يبتعد هناك، وتعليق صوتي مبهر. أندش روح عائدة من الموت، يحتاج إلى إعادة ضبط إدراكه لفهم العالم.

في المقابل، يُصرّ ترير على تصوير أوسلو كمدينة تعجّ بحيوات متوازية ومسارات بديلة، فيضعنا أمام مرآة عالم مرغوب فيه. يرافق ترير شخصيته بهدف واحد، إطالة تحوّل النهار إلى ليل، وتأجيل شروق الشمس بأي ثمن. براعة المخرج تظهر في التلاعب بالضوء والتفاصيل الباهتة على مدار 24 ساعة نرويجية. مرونة الفيلم الشكلية تسمح له بالانتقال من حانة خانقة إلى شارع قاس، ومن نقاشات النهار إلى صخب الليل. ويبلغ الإتقان ذروته في مشهد أندش، في منزل والديه، يعزف على البيانو طويلاً. من الآن فصاعداً، وربما للمرة الأولى، يملك كل الوقت في العالم.

أوهام الشباب وكآبة اسكندنافية

«أوسلو، 31 آب» هو الفيلم الثاني من ثلاثية سُمِّيت بـ«ثلاثية أوسلو»، بدأها ترير بفيلمه الطويل الأول «تكرار» (2006 ــــ Reprise ـــــ الجمعة 16 ك2 ـ الساعة 8).

يروي الفيلم قصة صديقين طموحين في الكتابة، فيليب (أندش دانيلسن لي) وإريك (إسبن كلومان هوينر). كتب ترير السيناريو مع إسكيل فوغت، مستلهمَين تجارب شخصية عن الشباب والصداقة والطموح، من دون أن يكون العمل سيرة ذاتية. يبدأ الفيلم بإرسال الصديقين مسوّدات كتباها إلى دور النشر.

فيليب، الأكثر انطواءً وهوساً وقلقاً، يُنشر كتابه ويحظى بإعجاب النقاد، بينما لا يلقى إريك الحظ نفسه، رغم مهارته الاجتماعية وقدرته على التعامل مع الوسط الأدبي. يحيط بهما أصدقاء صاخبون وغير ناضجين، يضيفون روحاً فكاهية ويكسرون جدية الثنائي وتأملهما.

يتابع ترير كيف تتغير الصداقات مع تقدّم العمر وتلاشي أوهام الشباب. لا حلول سحرية ولا اكتشافات كبرى، ولا تحولات جذرية في الشخصيتين. فقط محاولة مستمرة للتكيّف مع الظروف الجديدة والتعايش مع فقدان الأحلام التي كانت توجه رغباتهما. تظهر في الفيلم أيضاً تأثيرات واضحة من الموجة الجديدة، تلك الحركة السينمائية الفرنسية في ستينيات القرن الماضي. وتنعكس هذه الروح في صراعات الشخصيات مع أسئلتها الأخلاقية والفلسفية والشخصية والإبداعية، وكل ذلك مغموس بطبقة مألوفة من الكآبة الاسكندنافية.

الشكّ طريقاً للتعلّم

يتحرك أبطال فيلمي «إعادة» و «أوسلو، 31 آب»، إلى جانب بطلة الفيلم الثالث من الثلاثية، «أسوأ شخص في العالم» (2021 ـــــThe Worst Person In the World ـــ الأحد 18 ك2 ـــ الساعة 8)، عبر الزمان والمكان. ومن دون اللجوء إلى دراسات شخصية جامدة، يستخدم ترير هذه الرحلات الداخلية والخارجية لوصفهم وسرد عملياتهم النفسية والعاطفية بحساسية فائقة.

وهذا ما يحدث مع جولي (ريناته رنسفي) في الفصول الـ 12 من فيلم «أسوأ شخص في العالم»، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. تتميز القصة بأسلوب فريد يروي سنوات من حياة جولي عبر شكوكها قبل قراراتها واكتشافاتها. يُقدّم ترير الشك كمسار للتعلّم، ويجعل فهم الشخصية مرتبطاً بما تجهله وبأخطائها ونزواتها.

ورغم أن هذا الغموض قد يحدّ من التعاطف معها، إلا أنّ أمرين يجعلان جولي مستحيلة النسيان: الدفء والفكاهة والإنسانية التي يمنحها لها ترير، وجاذبية ممثلتها القادرة على إظهار تعدد وجوه الشك بلا جهد. كما تُعد علاقتها مع شريكها الأكبر سناً، مؤلف القصص الهزلية (أندش دانيلسن لي)، من أبرز عناصر الفيلم، خصوصاً في طريقة تناول الحنين إلى الماضي بوصفه جزءاً أصيلاً من الذات لا مادة للسخرية أو التفكيك. قدّم ترير عمله في قالب كوميديا رومانسية تبدو مألوفة من الخارج، لكنها تنبض بواقعية نادرة.

حياة جولي تشبه حياة كل واحد منا في تلك المرحلة التي لا نعرف فيها ما نريد، ولا من نحبّ، ولا كيف نحبّ، بينما نطمح في الوقت نفسه إلى امتلاك كل شيء. إنها الفترة التي ينهشنا فيها الشك، لكننا نتعلم منها ونمضي قدماً من دون أن نحمل أنفسنا ذنباً لا داعي له.

دورة يواكيم ترير: بدءاً من 15 حتى 18 كانون الثاني (يناير) ــــــ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت ــ للاستعلام: 01/445717

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك