
منذ تجدد تداول مقاطع فيديو وصور تظهر اعتداءات وجرائم حرب تنسب إلى القوات الحكومية السورية في مدينة حلب، خلال عمليتها العسكرية ضد مواقع انتشار «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، عادت إلى الواجهة أسئلة قديمة–جديدة تتعلق بدور الهيئات الصحافية في النزاعات المسلحة، وحدود التزامها بأخلاقيات العمل المهني في بيئات شديدة الاستقطاب. وقد برزت في هذا السياق أصوات إعلامية تطالب باتخاذ مواقف واضحة تُدين الانتهاكات وتدعو إلى وقفها، ليس فقط من منطلق سياسي أو حقوقي، بل بوصف ذلك جزءاً من مسؤولية الصحافة في زمن الحرب. ضمن هذه الأجواء، أعلن عدد من الصحافيين الأكراد استقالتهم من «رابطة الصحافيين السوريين»، أحد أبرز الأجسام الإعلامية التي تأسست خلال الحرب السورية عام 2012، كنوع من «الاحتجاج المهني» خلال النزاعات المسلحة، حيث يلجأ الصحافيون إلى الانسحاب من الأطر التمثيلية عندما يشعرون بأن هذه الأطر فقدت حيادها ما يقوض وظيفتها النقابية الجامعة.
بيان الرابطة وتحميل جانب واحد المسؤولية
تعود جذور الخلاف المباشر إلى البيان الذي أصدرته رابطة الصحافيين السوريين بشأن الأحداث الميدانية في حلب، وحمّل جهة واحدة هي «قوات سوريا الديمقراطية» مسؤولية إصابة صحافيين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، نتيجة «إطلاق قذائف عشوائية». وقد اعتبر الصحافيون المستقيلون أن البيان تضمن اتهاماً مباشراً ومسبقاً من دون الإعلان عن آلية تحقيق مستقلة أو توضيح مصادر المعلومات، وهو ما يتعارض مع معايير التحقق والحياد التي يُفترض أن تحكم عمل الهيئات الصحافية، لا سيما في بيئات النزاع المعقدة. وتسرعت الرابطة في إصدار بيان استهدفت فيه تحميل أحد طرفي النزاع المسؤولية بناء على نوع السلاح المستخدم أنه عشوائي وغير دقيق ما قد يهدد حياة صحفيين ومدنيين متواجدين بالمكان.
وتظهر دراسات الإعلام الحربي أن التسرع في تبني رواية أحد أطراف النزاع غالباً ما يكون ناتجاً عن القرب الجغرافي أو الأمني أو السياسي، لكنه يضعف صدقية المؤسسات الإعلامية والنقابية على المدى الطويل، ويحوّلها من حَكَم مهني إلى طرف في الصراع، فيما لم يصدر أي تعليق من الرابطة على موجة الاستقالات الأخيرة ونشرت بياناً آخر طالبت فيه السلطات السورية بالإفراج عن أحد الصحافيين الذين تم اعتقالهم في حلب، وجاءت عملية التوقيف التي نفّذتها الشرطة العسكرية على خلفية تصوير الصحافي عدنان الإمام رتلاً عسكرياً قرب حي الشيخ مقصود، رغم أنه يعمل في دائرة العلاقات العامة في التلفزيون السوري الرسمي، وله صفة إعلامية رسمية ويتبنى الخطاب الرسمي للسلطة السورية.
أعلن استقالتي من رابطة الصحفيين السوريين، احتجاجاً على تفريطها بأخلاقيات ومبادئ العمل الصحفي وانحيازها الواضح إلى خطاب سلطات الأمر الواقع في دمشق
— Rami Zein Eddin (@RamiZeineddin) January 11, 2026
عندما أخبرني أصدقاء وزملاء كرد عن نيتهم تقديم استقالة جماعية من رابطة الصحفيين السوريين، (باعتباري عضواً فيها أيضاً)، بعد قناعة راسخة… pic.twitter.com/y5X6zUhG6z
اللغة الإقصائية سبب للاستقالات
لم تقتصر الاستقالات على الصحافيين الأكراد، إذ أعلن صحافيون آخرون تضامنهم مع 18 صحافياً كردياً وقدموا استقالاتهم بدورهم. وفي هذا السياق، كتب الصحافي رامي عز الدين عبر حسابه على منصة «إكس» معلناً استقالته «احتجاجاً على تفريط رابطة الصحافيين السوريين بأخلاقيات ومبادئ العمل الصحافي، وانحيازها الواضح إلى خطاب سلطات الأمر الواقع في دمشق». وأكد أنّ قراره «موقف أخلاقي فردي لا علاقة له بالانتماءات السياسية، بل بالدفاع عن جوهر المهنة».
وكان أحد أبرز أوجه الاعتراض التي عبّر عنها الصحافيون المنسحبون تمثل في ما وصفوه بـ«اللغة الإقصائية» وتجاهل خصوصية المكون الكردي في مناطق الشيخ مقصود والأشرفية. وتعيد هذه النقطة فتح نقاش أوسع حول قدرة الأجسام الإعلامية السورية «الجامعة» على تمثيل التنوع الإثني والسياسي في البلاد، وهو نقاش رافق معظم محاولات بناء مؤسسات مهنية معارضة منذ 2011. خاصة في وقت تتهم فيه السلطات الجديدة في سوريا بتعاملها مع مكونات المجتمع السوري بناء على انتماءاتهم الدينية وتعزز الخطاب الطائفي بعد تكرار حوادث عنف ضد مكونات سوريا في مناطق مختلفة على اساس طائفي.
لا يمكن قراءة أزمة رابطة الصحافيين السوريين بمعزل عن المشهد الأوسع للعمل النقابي الإعلامي في سوريا. فـ«اتحاد الصحافيين السوريين» الرسمي لم يصدر أي بيان أو تعليق حول المشهد الإعلامي الحالي. وتُظهر هذه التطورات أن ما يجري لا يقتصر على خلاف حول بيان أو حادثة ميدانية محددة، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بدور الهيئات الصحافية في سياق الحرب السورية: هل هي أجسام نقابية جامعة، مهمتها حماية الصحافيين والدفاع عن أخلاقيات المهنة؟ أم فاعلون سياسيون يصدرون مواقف باسم الصحافة؟

