
«نمط مسرحي جديد ومغاير». بهذه العبارة يمكن اختصار مسرحية «ذاكرة الخالدين» التي تعرض على خشبة «مسرح مجمع الإمام الخميني الثقافي» في ضاحية بيروت الجنوبية.
للمرّة الأولى، تحضر على الخشبة الذاكرةُ الشفهية في مقابلات حية مع رفاق القائد الشهيد قاسم سليماني، معروضة على شاشات ثلاث، لتحدث التحاماً بوجدان الجمهور وتعرّفه إلى إنجازات القادة ومآثرهم وعلاقتهم بالشهيد.
في المسرحية التي توحي فكرتها بأنها مجرّد عمل توثيقي سردي، أجادت المخرجة ريان خير الدين ومهندس المشهد السينوغرافي أيمن جابر استنطاق عناصر المشهد ببعض الدلالات والرموز، والتصرّف به درامياً لخدمة الرؤية الجمالية والأيديولوجية بتحويل الروايات الشفهية إلى تجربة حية، مع توظيف العناصر البصرية والصوتية لنقل الأجواء الزمانية والمكانية، ما جعله عملاً ينتمي إلى المسرح التوثيقي أو العمل الوثائقي الدرامي الذي يهدف إلى تقديم المواد الواقعية في قالب جمالي إبداعي خاص ومختلف عبر خلق عالم متكامل بصريّاً وحسيّاً مؤثراً.
في «ذاكرة الخالدين»، احتدم التفاعل بين الذاكرة والمسرح فتحققت واحدة من مخرجات التاريخ الشفوي، لم تقتصر فقط على تقديم الشخصية النموذج والتأثير عبرها ونقل ثقافتها الروحية والقيادية والعسكرية، بل بتقديم كل الشخصيات القيادية التي أدلت بشهاداتها في سيرة القائد الشهيد، وإنجازات هذه الشخصيات التي صارت جزءاً من الرواية بعدما بات أصحابها بدورهم شهداء. وهنا تكمن أهمية العمل كمصدر ثريٍّ للفكر والفن في ميثولوجيا تمثل منظومة فكرية ودينية وثقافية غنية.
بين تلك اللقطات، أتقن الكاتب والممثل حسن قطيش إمساك الخط المسرحي ضمن فكرة خرج بها لتحريك أحداثه وإنعاش الجو المسرحي، عبر خلق شخصية جامعة بين الواقع والخيال، وهي «محمد»، صديق الشهيد الكاتب أحمد بزّي (صاحب الفكرة الأساسية)، فحاكى عبرها فكر الشهيد وروحه في بصمة مسرحية خاصة وفقاً لتقنيات الراوي والمسرح داخل المسرح، أو القصة داخل القصة.
في مسرحية «ذاكرة الخالدين»، مشاهد وروايات القادة الشهداء المترافقة مع إضاءة الجدران والأضواء التي تخرج من الألياف البصرية، مجسم سيارة «الحاج قاسم» وغرفته، مكتب الشهيد أحمد بزّي وسط الخراب الذي خلفته همجية الحرب الأخيرة وشباك مكتبه حيث علّق عصبات الرأس التي كان يضعها في مجالس العزاء.
هدوء المسرح الخالي إلا من صوت حسن قطيش مع الموسيقى المختارة بعناية، صوت بكاء الجمهور الذي يقع عنوة تحت وطأة الذكريات، كلها معاً تشكّل نسقاً سيميائياً قائماً بذاته فيه الكثير من الانسجام والتناغم من أجل تقديم أجمل رواية للحدث تجمع ما بين الذاكرة والفن.
* «ذاكرة الخالدين» – مسرح «مجمع الإمام الخميني الثقافي» – قرب مرقد السيد الشهيد حسن نصر الله – للاستعلام والحجز: 808026/81

