
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تصاعداً متسارعاً في الطلب على الطاقة والبنية التحتية الحاسوبية. ومع توسّع مراكز البيانات عالمياً، تحضر أفكار جديدة لنقل هذا العبء خارج كوكب الأرض. وتتقدّم مشاريع لوضع مراكز بيانات في الفضاء، في مسعى إلى معالجة قيود الطاقة والمساحة والتنظيم.
في السنوات الأخيرة، طرح عدد من روّاد صناعة التكنولوجيا تصوّراً لتشغيل مراكز بيانات مخصّصة للذكاء الاصطناعي في الفضاء. وضمن هذه الرؤية، يجري العمل على خطط لجمع تمويل ضخم يتيح إطلاق شبكات واسعة من الأقمار الاصطناعية الحاسوبية. وفي السياق نفسه، تتقاطع طموحات شركات فضاء خاصة مع رهانات شركات تقنية كبرى على مستقبل الحوسبة خارج الأرض.
مع توسّع نماذج الذكاء الاصطناعي، ترتفع متطلبات المعالجة والتخزين بوتيرة حادة. وتفرض هذه الوتيرة بناء منشآت تستهلك كميات كهرباء غير مسبوقة. وخلال العقد الحالي، يتوقّع خبراء تضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء في الولايات المتحدة، نتيجة الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي. ويؤدي هذا المسار إلى ضغوط مباشرة على شبكات الطاقة المحلية وكلفة الكهرباء في المدن.
سباق المليارديرات نحو المدار
يهتم قادة قطاع الفضاء بهذا التوجّه الجديد. ويتحدّث مؤسس شركة «بلو أوريجين»، جيف بيزوس، باستمرار عن تطوير تقنيات الحوسبة الفضائية.
واشترى الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل»، إريك شميدت، شركة «ريلاتيفيتي سبايس» للصواريخ، في مسعى إلى تأمين عمليات إطلاق مراكز البيانات المستقبلية. في هذا الإطار، يبدو الفضاء خياراً مغرياً. ففي المدارات المتزامنة مع الشمس، يتوافر ضوء شمسي شبه دائم، ما يتيح الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية.
ومن ناحية المساحة، يوفّر المدار مجالاً واسعاً لنشر مئات أو آلاف الوحدات الحاسوبية. وعلى مستوى الإجراءات، تتطلّب عمليات الإطلاق والحصول على التراخيص الفضائية مسارات تنظيمية أكثر ليونة مقارنة بالمشاريع الأرضية الطويلة الأمد.
في المقابل، تفرض الهندسة الفضائية تحديات معقّدة. وتتطلّب مراكز البيانات المدارية ألواحاً شمسية هائلة الحجم لتوليد طاقات تصل إلى عدة غيغاواط. وتواجه هذه الألواح صعوبات الإطلاق والتحكّم والاستقرار، إضافة إلى مخاطر الحطام الفضائي. كما تحتاج الأنظمة الإلكترونية إلى تحصين خاص لمواجهة الإشعاعات الكونية المؤثرة في المكوّنات الحساسة.
تحديات التبريد والإشعاع الكوني
في ما يتعلّق بالتبريد، تعتمد المنشآت الأرضية على الهواء أو الماء. وفي الفراغ الفضائي، يقتصر الخيار على المشعّات الحرارية التي تطرد الحرارة إلى الفضاء. وتفرض المدارات القريبة من الأرض تعقيدات إضافية، نظراً إلى ضرورة توجيه المشعّات بعيداً عن الشمس وعن الأرض في آن واحد، مع حركة مستمرة خلال الدورة المدارية.
على مستوى الاتصالات، يؤدي الابتعاد عن الأرض إلى زيادة زمن التأخير في نقل البيانات. وفي المدارات العالية، قد يصل هذا التأخير إلى ثوانٍ معدودة، ما يؤثر في بعض التطبيقات الحساسة للزمن. ومع ذلك، يجري البحث في تشغيل هذه المراكز في مدارات أبعد لتخفيف الازدحام الفضائي المتزايد حول الأرض.
في حال حدوث أعطال، تظلّ خيارات الصيانة محدودة. ولهذا السبب، يجري تطوير تصاميم معيارية تسمح باستبدال الأجزاء التالفة عبر مركبات روبوتية مستقبلية. وفي موازاة ذلك، يرتبط خفض الكلفة بنجاح صواريخ الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، مع استمرار الاختبارات التقنية على هذا المسار.
أعلنت «غوغل» عن مشروع «سان كاتشر» لتطوير حوسبة الذكاء الاصطناعي الفضائية. وتنوي الشركة إطلاق نموذجين أوليين في عام 2027. وتمتلك «سبياس إكس» ميزة تنافسية عبر شبكة «ستارلينك» التي تضم حالياً أكثر من تسعة آلاف قمر اصطناعي. تتوقّع بعض التقديرات ظهور أول المراكز خلال عقد من الزمن، مع بقاء نجاح التجربة مرهوناً بخفض تكاليف الإطلاق وتطوّر التقنيات.

