
عادت الولايات المتحدة عن قرار منع شركة «إنفيديا» من بيع رقائق متطوّرة للذكاء الاصطناعي إلى الصين، وفق ما أعلنته وزارة التجارة الأميركية الثلاثاء الفائت. لكن لم يكن قرار واشنطن تخفيف القيود عن الصين مجرّد تعديل تقني في سياسة التجارة، بل عكس ارتباكاً أميركياً متزايداً أمام استحالة فصل الصين عن سلاسل الإمداد العالمية، أو إبطاء تقدّمها التكنولوجي بقرارات أحادية.
في هذا السياق، لا تعدّ الرقائق من طراز H200، التي سُمح بتصديرها بشروط، من الأحدث في سوق الذكاء الاصطناعي، لكنها كافية لتأكيد فشل استراتيجية الحصار الكامل التي اعتمدتها إدارات أميركية متعاقبة تحت عنوان «الأمن القومي». وبعد سنوات من القيود، بات واضحاً أن الصين لم تتراجع، بل واصلت بناء قدراتها، ودفعت في اتجاه بدائل محلية، خصوصاً في قطاع أشباه الموصلات.
الصين ليست الزبون الضعيف
على المقلب الآخر، لم يُستقبل القرار الأميركي في بكين باعتباره انتصاراً، إنّما جرى التعامل معه ببرود محسوب. فالتقارير التي تحدثت عن توجّه صيني لتقييد شراء رقائق H200 وحصرها في مجالات بحثية، تعكس ثقة متنامية بالقدرة على تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية.
هذا الموقف لا ينطلق من إنكار الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة، بل يبنع من قراءة سياسية أوسع تعتبر أنّ واشنطن تستخدم التكنولوجيا كأداة ضغط، فيما تسعى الصين إلى تحصين خياراتها الاستراتيجية عبر الاستثمار في الإنتاج المحلي، حتى ولو كان أقل تطوراً مرحلياً.
«الأمن القومي» أم مصالح تجارية؟
تبدو الذرائع الأمنية الأميركية أقل إقناعاً بعد فرض رسوم مباشرة على مبيعات «إنفيديا» في الصين، وهو ما يحوّل القيود من مسألة أمن إلى صفقة تجارية صريحة. فحين تحصل الحكومة الأميركية على نسبة من المبيعات، يتقدّم منطق الإيرادات على منطق الحماية.
في هذا السياق، يظهر القرار كحل مؤقت يهدف إلى حماية أرباح الشركات الأميركية أكثر مما يهدف إلى كبح الصين. وهو اعتراف ضمني بأن السوق الصيني لا يمكن تجاهله، وبأن عزل ثاني أكبر اقتصاد في العالم لم يعد خياراً واقعياً.
سباق طويل لا تحسمه رقائق
الرهان الأميركي على أن القيود ستُبقي الصين متأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي يزداد هشاشة. فالصراع لم يعد على شحنة رقائق، بل على نموذج تنموي كامل، وعلى من يملك القدرة على بناء منظومة مستقلة في عالم يتجه نحو الانقسام التكنولوجي.
وفي هذا الإطار، تبدو الصين أقل استعجالاً، وأكثر استعداداً لتحمّل الكلفة، مقابل نظام أميركي يُعيد ضبط سياساته كلما اصطدمت بالعائدات والأسواق.

