ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«الستّ» أم كلثوم... نسوية بلا شعارات!

ثقافة
|سينما
حفظ المقالة

يقرأ فيلم «الستّ» سيرة أم كلثوم كمعركة نسوية داخل بنية سياسية متقلّبة: امرأة تفاوض سلطة الأب، وتواجه عنفاً وتسلطاً وتهديداً، ثم تتحول إلى فاعلة عامة لا مجرد صوت.

رشا ملحم
رشا ملحم
الإثنين 19 كانون الثاني 2026
رصدت منى زكي بنجاح تحوّلات الشخصية الانفعالية
رصدت منى زكي بنجاح تحوّلات الشخصية الانفعالية
الخط

يقرأ فيلم «الستّ» سيرة أم كلثوم كمعركة نسوية داخل بنية سياسية متقلّبة: امرأة تفاوض سلطة الأب، وتواجه عنفاً وتسلطاً وتهديداً، ثم تتحول إلى فاعلة عامة لا مجرد صوت. يربط الفيلم صعودها بمصر الملكية ثم المشروع القومي، ويجعل من الفن أداة مقاومة بعد 1967، ومن الجسد قراراً سياسياً ضد القوالب الجندرية


ليس «الستّ» (إخراج مروان حامد ـــ كتابة أحمد مراد) فيلم سيرة تقليدياً، ولا فيلماً غنائياً أو وثائقياً، بل هو فيلم حالة ذو مفعول تراكمي مآله الانفجار، تاركاً خلفه تجربة لا تهدأ بسهولة. يراهن على السينما بوصفها فناً قادراً على الطرب بدوره، وعلى مقاربة شخصية أسطورية عبر أنسنتها، لا عبر تضخيمها، فهي ليست بحاجة إلى ذلك.

سقوط يؤطّر المجد

يفتتح الفيلم بلحظة سقوط أم كلثوم على مسرح «الأولمبيا» في باريس. يتراجع السرد إلى البدايات، ثم يعود، ويتشظّى، ويعيد ترتيب الذاكرة وفقاً لمنطق الشعور لا التوثيق. اعتمد الكاتب أحمد مراد بنيةً سردية غير خطيّة، محكومة بتيمة واضحة: «كيف صارت أم كلثوم كوكب الشرق؟». لا يهتم بإحصاء المحطات، لكنه يطرح الطفولة، والحب، والمرض، والخيبات، والانتصارات، وساعات العمل الطويلة بوصفها حالات شعوريةً متناوبة، لا كوقائع تاريخية مصفوفة.

تعود لحظة السقوط في منتصف الفيلم ونهايته لتُعيد تأطير المعنى، ويزيد التشويق لمعرفة ماذا حدث فعلاً. ثم مع اكتمال المشهد في الختام، يظهر حدث الوقوع كذروة مطلقة للمكانة الأسطورية لـ «سوما»، علامة من علامات التقديس، واندفاع الحب الشعبي إلى أقصاه حين يقتحم المعجب المسرح لتقبيل قدمها. بهذا البناء الدائري، يحوّل الفيلم «الهشاشة» إلى فعل إنصاف لإنسانةٍ عظيمةٍ وقدرتها على النهوض وبلوغ المجد.

عنصر التكثيف… اختيار ما يُروى وما يُسكت عنه

منذ البداية، يعلن الفيلم خياره الجوهري بالتكثيف بعدد الشخصيات والوقائع، ويُضغط الزمن لمصلحة الدلالة لا الاستعراض. عائلياً، كان التركيز على رجال الأسرة الذين رافقوا «الستّ» في رحلتها الفنية، خصوصاً والدها إبراهيم البلتاجي (سيد رجب)، فيما تغيب الأم والأخت، إلا في لقطات عابرة كخيار إخراجي متعمّد للحفاظ على تركيز السرد حول الصراع المركزي.

أصبحت أول نقيبة
للموسيقيين في مصر

يُمنَح الأب حضوراً محورياً، لأنه المفتاح الأول لفهم أم كلثوم. هو مَن جال بها في الريف، وغنّى معها الموشحات الدينية، ودعم موهبتها، لكنه أيضاً من مارس عليها شيئاً من القمع حين شعر أنّ «سمعتها» باتت مهددة. العلاقة بينهما تتأرجح بين الوفاق والخلاف، بين الحماية والتسلط. حين يقرر إعادتها إلى قريتها السنبلاوين بعدما بدأت الألسن تدور عنها، تعود معه، لكنها ترفض الغناء في الموالد والاحتفالات الدينية، وهنا يظهر أخوها خالد حليفاً لها، فيقتنع والدهما من جهته. وفي ذلك تأسيس مبكر لشخصية امرأة تفاوض السلطة الأبوية لا تنكسر لها.

وفي مشهد آخر، نرصد المخاطر التي واجهت «الستّ» في مسيرتها المحفوفة بالمشقة حين يهددها رجل سكران بالسلاح لتغني «شيئاً معاصراً»، فيضربها والدها عندما ترفض الانصياع لامتصاص غضب الرجل في تلميح إلى العنف ضد المرأة، عندما نسمع الأطلال «أعطني حريتي أطلق يديّ». ثم يأتينا تكثيف المسار الفني عبر استعراض محطات مفصلية ضمن حفلات «كوكب الشرق» أو تعقيباً عبر الموسيقى على بعض الأحداث.

امرأة تقود وامرأة تساند وأخرى تحطم

يتبنى الفيلم وضوحاً تيمةً نسوية، لا عبر الشعارات، بل عبر الوقائع، فهو يرتكز على ثلاث سيداتٍ بأدوار مفصليةٍ درامياً: أم كلثوم امرأةٌ قائدة، سبقت الثورة بثوريتها، أصبحت أول نقيبة للموسيقيين وانتقدت في مجلّتها تردي أحوال الناس في عهد الملك، وفريال نسويةٌ من الطبقة الأرستقراطية، تلعب دور المنقذة الأولى للستّ وتمهّد لانطلاقها صوب العالم من القاهرة للمرة الأولى وخارج الجلباب الأبوي. وهناك الملكة نازلي، الخصم الندّ. رغم حضورها المحدود، فهي الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تمسّ أم كلثوم في العمق. أما عن وجهة نظر أم كلثوم في الزواج، فتظهر حين ترفض الارتباط بأحمد رامي حفاظاً على طموحها، لتبقى العلاقة بينهما أبديةً، تتجاوز الجسد إلى الخلود.

لا يفرض الفيلم بُعده القومي قسراً، بل يترك الوقائع تؤديه. أم كلثوم ليست مطربة فقط، بل صوت زمن كانت فيه مصر، وإلى جانبها سوريا، في صدارة المشروع القومي العربي. بعد نكسة 1967، لا تظهر شاهدةً على الهزيمة، بل فاعلة في تحويلها عبر حفلات دعم المجهود الحربي. الفن هنا مقاومة وجدانية، ومشهد اقتحام المعجب الجزائري مسرح الـ «أولمبيا» يؤكد أنّها بطلة الشرق كله، لا مصر وحدها.

الكاميرا بوصفها وسيط حب

في مشهد لقاء سوما مع شريف صبري، خال الملك فاروق، يُدار الحوار بلا كلام تقريباً بل عبر تبادلهما التصوير بالكاميرا. إيقاع المشهد حيويٌ وحركة كاميرا المخرج مروان حامد رشيقةٌ، حميمةٌ، تخلق قرباً وتنقل لنا أم كلثوم الواقعة في الحبّ من دون المساس بهالتها. ومن خلفهما الأهرامات مع أشعة الشمس ليبدو المشهد نابضاً بالحياة ومفعماً بسحر البدايات. للمرة الأولى، تظهر سوما بالبنطلون. لونه بيج يحاكي لون الأهرامات. أليست الست هي الهرم الرابع؟

قرار صعب... لبّ الفيلم ونقطة انعطاف

إذا كانت بنية الفيلم متشظيةً في معظمها، فهي مع ذلك تسير وفقاً لخطوطٍ خفيةٍ تشكّل ذرىً متفرقةً هنا وهناك، ويشكّل قرارها الامتناع عن إجراء عملية لاستئصال الورم لبّ الفيلم ومقولته الأساسية: المجد يتطلب تضحيات. توضع البطلة أمام خيار قاسٍ بين الغناء والجسد، بين الفن والأمومة. قرارها التعايش مع المرض ثورة على الدور الجندري النمطي، واختيار واع لوضع الرسالة فوق الذات. بهذا القرار، لم تنل المجد فقط، بل منحت الجمهور العربي كنزاً خالداً.

حين تتكلم الكادرات وتنصت الصورة

إننا أمام سينما تراهن على الصورة. فهو فيلم إبهار بصري يعتمد على نقل الزخم عبر لقطاتٍ قريبةٍ تنقل مشاعر الشخصيات بواسطة تعابير الممثلين. تجلى هذا وبتأثير ذي وتيرة تصاعدية في علاقة السمّيعة بها.

يتحول جمهور السميعة من نشوة الطرب إلى الوجد الصوفي، عبر لقطات قريبة وحركة بطيئة وخلفيات سوداء. تبلغ المواجهة البصرية ذروتها في الصراع الصامت بين أم كلثوم والملكة نازلي أثناء «حب إيه»، حيث تُدار الخصومة بالنظرات لا بالكلام. الألوان الداكنة، الأبيض والأسود، والأحمر في لحظات الذروة النفسية، تشكّل نظاماً دلالياً متماسكاً، يوازيه مونتاج سريع يضبط الإيقاع.

يتعامل الفيلم مع الموسيقى كعنصر درامي لا نوستالجي. يقلّل من حضور أرشيف أم كلثوم، ويقسّم البنية الصوتية بين موسيقى تصويرية، وأغنيات موظفة بوصفها مونولوجاً داخلياً، وتدخلات إلكترونية تمنح الصوت طابعاً طقسياً. الصمت هنا لا يقل أهمية، إذ يتيح للصورة أن تتنفس، وللسينما أن تقول صوتها الخاص.

لعلّ جزءاً من الانتقادات للفيلم بأن منى زكي لا تمتلك كاريزما أم كلثوم. لكن الفيلم لا يقدم الستّ بصفتها الأسطورة، وإنما بوصفها إنسانةً من لحم ودم. تفرح، تحزن، تمرض، تمزح، تخطئ، وتراجع نفسها.

وهنا رصدت زكي بنجاح تحولات الشخصية الانفعالية، ويمكن تقبّل حضورها إذا ابتعدنا عن المقارنة تبعاً للشكل، وربما كان إبقاؤها أقرب إلى ذاتها بعيداً من توخي الماكيير تقريبها شكلياً كخيارٍ إخراجيٍ لتعزيز الصدق في الأداء وتعابير الوجه. ويمكن لنا الزعم بأنّ فيلم «الست» خاض رهانه الأصعب وخرج منتصراً، عبر جعل الصورة تطرب كالغناء. في مفارقةٍ نادرة، لم تستدع عظمة سيدة الغناء العربي عبر اكتمال الصوت فقط، بل عبر بناء بصري حسي.

«الستّ» في الصالات اللبنانية

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك