
قديماً، اقتصر الرهان على سباقات الخيول ونتائج مباريات كرة القدم. مع التحوّل الرقمي الشامل، تحوّلت المراهنات اليوم إلى سوق مفتوحة على السياسة والحرب. غابة رقمية بلا حدود واضحة ولا ضوابط أخلاقية، يُراهن فيها على كل شيء تقريباً، من اندلاع نزاعات عسكرية بين الدول إلى طول المؤتمر الصحافي للمتحدثة باسم البيت الأبيض.
أبرز منصّات التوقّعات والمراهنة على الإنترنت تشمل «بوليماركت» وهي منصة مراهنات تعتمد على العملات المشفّرة، و«كالشي» وهي منصة أسواق تنبؤ مرخّصة داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى «روبن هوود» التي دخلت هذا المجال حديثاً عبر عقود مالية مرتبطة بنتائج سياسية.
ووفقاً لتقرير صادر عن شركة الأبحاث Eilers & Krejcik المتخصّصة في قطاعات الرياضة والألعاب التفاعلية، قد يصل حجم التداول السنوي لأسواق التوقّعات إلى نحو تريليون دولار مع نهاية هذا العقد.
إدارة ترامب والمراهنات
يراهن المتداولون بملايين الدولارات على قرارات محتملة، مثل إغلاق الحكومة الفدرالية، أو تسمية رئيس جديد للاحتياطي الفدرالي، أو السيطرة على غرينلاند، أو تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران.
مع اتساع أسواق التوقّعات وتحوّلها إلى مجال يتأثر مباشرة بتقلّبات المشهد السياسي، لا تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتناقضة مجرّد ارتجال سياسي أو سلوك غير محسوب. تتحوّل هذه التصريحات عملياً إلى محرّكات مباشرة لأسواق التوقّعات. تعيش منصّات المراهنة على عدم اليقين، ويُعدّ ترامب أحد أكثر مصادرها كثافةً.
أحد المتداولين ربح 410 آلاف دولار بعدما راهن على فقدان مادورو السلطة
يتقاطع عالم المراهنة مباشرةً مع عائلة ترامب. يشغل دونالد ترامب الابن أدواراً استشارية واستثمارية في منصّتي «بوليماركت» و«كالشي»، وهما من الأكبر في هذا القطاع. يعمل أيضاً مديراً في شركة ترامب الإعلامية، التي أعلنت عن إطلاق منصة مراهنات خاصة تحت اسم «تروث بريدكت».
يتداخل هنا القرار السياسي مع الربح المالي بشكل واضح. تخضع أسواق التوقّعات لإشراف هيئة اتحادية هي «هيئة تداول السلع الآجلة» الأميركية Commodity Futures Trading Commission، وهي الجهة نفسها التي خفّفت إدارة ترامب قبضتها التنظيمية عنها، وتراجعت خلال ولايته عن ملاحقات قانونية كانت تستهدف منصّات المراهنة نفسها.
نتيجة ذلك، أفادت المنصّات التي يعمل فيها نجل الرئيس مستثمراً ومستشاراً من بيئة تنظيمية أكثر تساهلاً، في لحظة أصبحت فيها السلطة التنفيذية بيد والده.
رهانات بمعلومات داخلية
تكشف المعلومات الواردة في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» جانباً مما يجري بعيداً من الأضواء. أحد المتداولين حقّق ربحاً بلغ 410 آلاف دولار بعدما راهن على فقدان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو للسلطة قبل نهاية الشهر. وضع رهاناته قبل أقل من أسبوعين من الحدث، بمبلغ أساسي لم يتجاوز 34 ألف دولار، جرى ضخّه عبر حساب عملات مشفّرة جديد كلياً، مع ضخ معظم قيمة الرهان في الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان الرسمي عن فقدان مادورو للسلطة.
مثال آخر، جرى خلاله تحويل مؤتمر صحافي رسمي في البيت الأبيض إلى عقد مراهنة، سُعّر طوله بالدقائق، وربط بسوق احتمالات بلغت 98 في المئة لتجاوزه 65 دقيقة. عند اقتراب الدقيقة الأخيرة، ومع بقاء ثوانٍ فقط على تحقّق الرهان، أُنهي المؤتمر بشكل مفاجئ. حقّقت مجموعة أرباحاً فورية عبر رهانات عكسية، مقابل خسائر واسعة للمتداولين الذين اعتمدوا على الاحتمالات المرتفعة. لاحقاً، أثارت الحادثة تفاعلاً واسعاً على الإنترنت، إلى جانب تعليقات تحدثت عن احتمال تلاعب متعمّد من قبل المتحدثة.
يُطلق على هذا السلوك اسم التداول الداخلي Insider Trading، وهو استغلال شخص يمتلك معلومات جوهرية غير متاحة للرأي العام، بحكم موقعه الوظيفي أو السياسي، لتحقيق مكاسب مالية قبل كشف هذه المعطيات للعامة، بما يمنحه أفضلية غير عادلة ويقوّض نزاهة السوق.
تشريع مرتقب لأسواق التنبؤ
بعد حادثة المراهنة على مادورو، أعلن النائب الديموقراطي ريتشي توريس عن مشروع قانون جديد بعنوان «قانون النزاهة العامة في أسواق التنبؤ المالي لعام 2026». يهدف التشريع إلى منع المسؤولين الفدراليين، وموظفي السلطة التنفيذية، وأعضاء الكونغرس وفرقهم، من المتاجرة بعقود أسواق التنبؤ المرتبطة بالسياسات العامة أو النتائج السياسية في حال امتلاكهم معلومات غير متاحة للرأي العام أو قدرتهم على الوصول إليها بحكم مناصبهم.
يحظى المشروع بدعم عشرات النواب الديموقراطيين، وسط تحذيرات متزايدة من تحوّل أسواق التنبؤ إلى فضاء مفتوح أمام التداول الداخلي الحكومي، بما يخلق حوافز خطيرة لتسييس القرارات وتحويل العمل العام إلى أداة ربح خاص، في لحظة تتصاعد فيها المخاوف داخل واشنطن من استغلال النفوذ السياسي عبر أدوات مالية وتقنية جديدة.
تناقضات ترامب
أمام هذه المعطيات، يصعب فصل تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة عن اقتصاد المراهنات الذي يتغذّى على الغموض وعدم اليقين.
قد تكون التطمينات أو التهديدات التي يطلقها في كلّ الاتجاهات طريقته في العمل فعلاً، لكن في ظلّ انخراط عائلته المباشر في منصّات المراهنة الكبرى، ودخولهم على نطاق واسع إلى عالم العملات المشفّرة، يصبح من المعقول جداً أن تكون بعض تصريحاته جزءاً من عالم المراهنات.

