
في تطوّر أنهى واحدة من أطول المواجهات الجيوسياسية في قطاع التكنولوجيا، دخلت منصة «تيك توك» اتفاقاً جديداً يسمح لها بالاستمرار في العمل داخل الولايات المتحدة، ضمن صفقة توسّط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد سنوات من التهديدات بالحظر أو التفكيك القسري بذريعة مخاوف أمنية تتعلّق بالصين.
وقد تسارعت هذه المساعي عقب إطلاق النائب الأميركي السابق مايك غالاغر، المدعوم من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، مشروع قانون يطالب بحظر التطبيق أو إجبار الشركة على بيعه، على خلفية تحوّل «تيك توك» إلى منصة مركزية لتداول محتوى يتناول الإبادة في غزة.
فصل الحوكمة عن التكنولوجيا
وبموجب الاتفاق، أعلنت «تيك توك» إنشاء كيان جديد للأمن السيبراني والبيانات داخل الولايات المتحدة، على شكل مشروع مشترك يتولى حماية بيانات المستخدمين الأميركيين، وضمان أمن الخوارزميات، والإشراف على سياسات الإشراف على المحتوى وجودة البرمجيات.
في المقابل، تبقى الشركة الأم الصينية «بايت دانس» محتفظة بالسيطرة المباشرة على خطوط الأعمال الأكثر ربحية في السوق الأميركية، بما في ذلك التجارة الإلكترونية، والإعلانات، والتسويق.
ويتولى إدارة المشروع المشترك مجلس إدارة من سبعة أعضاء يضم شخصيات بارزة من قطاع الاستثمار والتكنولوجيا، من بينها مسؤولون تنفيذيون في شركات «سيلفر ليك» و«سوسكوهانا» و«أوراكل»، التي تلعب دوراً محورياً في استضافة بيانات المستخدمين الأميركيين على بنيتها السحابية داخل الولايات المتحدة.
وتمتلك مجموعة من المستثمرين الأميركيين نحو 80 في المئة من الكيان الجديد، فيما تحتفظ «بايت دانس» بنسبة 19.9 في المئة، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانونياً.
الرئيس ترامب اعتبر الصفقة «إنقاذاً لتيك توك»، مشيراً في منشور على منصة «تروث سوشال» إلى أن التطبيق أصبح مملوكاً «لمجموعة من المستثمرين الوطنيين الأميركيين»، ووجّه شكراً إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ على ما وصفه بالتعاون والموافقة على الصفقة.
الخوارزمية صينية
ورغم ذلك، لم تُنهِ الصفقة المشكلة كما يراها صقور الأمن القومي الأميركي، إذ تؤكد «تيك توك» أن خوارزمية المنصة ستُرخَّص من «بايت دانس» للكيان الأميركي، على أن يُعاد تدريبها وتحديثها باستخدام بيانات المستخدمين الأميركيين حصراً، مع تأمينها داخل البيئة السحابية لشركة «أوراكل».
ويرى هؤلاء أن ترخيص الخوارزمية لا يبدّد المخاوف الأمنية، طالما أن ملكيتها والمنطق الذي يحكم عملها يبقيان بيد الشركة الصينية.
اقتصادياً، أعادت الصفقة الاستقرار إلى «بايت دانس»، التي ارتفعت قيمتها السوقية في صفقات خاصة أخيراً إلى نحو 500 مليار دولار، بعد أن كانت مهددة بخسارة أحد أهم أسواقها. ويؤكد مراقبون أن السوق الأميركية، رغم أنها لا تمثل سوى جزء محدود من قاعدة مستخدمي التطبيق عالمياً، تلعب دوراً مركزياً في إنتاج المحتوى وتدريب الخوارزميات.
في المحصلة، أنهى الاتفاق خطر الحظر، وسمح لـ«تيك توك» بالاستمرار في الولايات المتحدة ضمن صيغة هجينة تفصل بين الحوكمة الأميركية والتكنولوجيا الصينية. إلا أن السؤال الأوسع يبقى مطروحاً: هل عززت الصفقة أمن الولايات المتحدة الرقمي، أم أنها منحت واحدة من أقوى الشركات التكنولوجية الصينية فرصة جديدة للتوسع عالمياً من دون خسارة جوهرها التقني؟



