
لطالما شغل شعر النساء موقعاً رمزياً مركزياً في الثقافة العربية والشرق أوسطية، بوصفه علامة على الجمال والكرامة والهوية والمكانة الاجتماعية. في السير والروايات الشعبية، يُستعاد قص الجدائل كفعل احتجاجي أو تحريضي، فيما تشير دراسات في الثقافة الشعبية إلى أن شعر النساء كان جزءاً من منظومة الشرف والعار معاً.
رامي أبو الدهش يخرج بتبرير فجّ لقضية “الضفيرة”… والعذر أقبح من الجريمة نفسها.#العراق #سوريا #الرقة #بغداد pic.twitter.com/8k4lDKueG5
— يوسف سيرجو - Youssef Sergo (@Y78_38) January 22, 2026
ضمن هذا السياق، أعاد مقطع فيديو متداول، يظهر فيه رجل يعتقد أنه من مسلحي الفصائل الموالية للسلطة الانتقالية في سوريا، وهو يتفاخر بقص شعر مقاتلة كردية بعد أسرها في الرقة شمالي البلاد، فتح النقاش حول استخدام النساء كمساحة للإذلال العلني. اعتبر البعض أن الفيديو المنشور هو فعل إهانة مقصود، يستهدف فيه ثقافة مكون سوري، وهي آلية معروفة في أدبيات «العنف الرمزي» التي ترى في الصورة أداة سياسية بحد ذاتها.
لاحقاً، حاول العسكري الذي ظهر وهو يحمل الضفيرة متفاخراً نفي الواقعة عبر الادعاء بأنّ الضفيرة كانت شعراً مستعاراً وُجد في مطعم، وهو تبرير قوبل بسخرية واسعة على المنصات الرقمية.
حملة تضامن مع «جدولة المرأة السورية»
التبرير الذي لم يقتنع به كثيرون لم يوقف حملة تضامن واسعة مع صاحبة الجديلة، شاركت فيها إعلاميات كرديات وصانعات محتوى عبر نشر مقاطع فيديو وصور وهن يجدلن شعورهن، في استعادة معاكسة للرمز نفسه. ومن بين المشاركات مذيعة في قناة «شمس» (تبث من أربيل)، شددت على أنّ الضفيرة في الثقافة الكردية «ليست زينة، بل رمز للكرامة والهوية والصمود»، في توصيف ينسجم مع مقاربات أنثروبولوجية ترى في الجسد «أرشيفاً حياً للذاكرة الجماعية».
في السياق الكردي، تحمل الجديلة دلالات مركبة؛ إذ تشير الروايات الشعبية إلى قصها في المآتم تضرعاً لعودة الغائبين، كما يُحلف بها بوصفها رمزاً للطهارة. كما انضمت النائبة الكردية في البرلمان الألماني، جانسو أوزديمير، إلى الحملة، معتبرة أنّ استهداف الضفائر هو «محاولة لكسر الإرادة والهوية»، لا مجرد فعل عابر. كما شارك نائب في البرلمان التركي بالحملة من خلال نشر مقطع فيديو وهو يقوم بتجديل شعر ابنته.
محمد زكي النائب في البرلمان التركي يشارك مع ابنته في ترند الضفيرة #شکۆی_کەزی pic.twitter.com/RNgwJk84Nr
— المحامي سعد شنگالي (@SaadSh1ingali) January 22, 2026
حملة «الضفيرة» لم تقتصر الحملة على النساء الكرديات، بل شاركت نساء سوريات عربيات أيضاً، بعيداً عن موقفهن من القتال الدائر بين القوات الحكومية وأخرى كردية، من بينهن سيدة من المنطقة الشرقية قصّت شعرها على الهواء مباشرة، في اعتذار رمزي عما فعله أحد أبناء منطقتها تجاه سيدة أخرى. كما شاركت المعارضة السورية هنادي زحلوط ضمن الحملة رافعة شعار «يا نساء سوريا... اضفروا ضفيرةً» مرفقة بصورة وقد جدلت شعرها. ويذكر أن زحلوط فقدت عدداً من أفراد أسرتها خلال الحملة التي نفذتها فصائل عسكرية موالية للحكومة في الساحل السوري آذار (مارس) الماضي.
شعر النساء موضوع للقصيدة العربية
لم يُنظر إلى شعر النساء في القصيدة العربية بوصفه تفصيلاً جمالياً فقط، بل كعلامة تحمل معنى اجتماعياً واضحاً. في الشعر الجاهلي، ارتبط الشعر بالقوة والهيبة، لا بالزينة العابرة. يصف امرؤ القيس شعر المرأة بوصفه كثيفاً وفاحماً، فيقول في معلقته الشهيرة «وفرع يزينُ المتنَ أسود فاحم.. أثيثٍ كقنو النخلةِ المتعثكل» في هذا الوصف، يظهر شعر المحبوبة طويلاً يزين الظهر، شديد السواد، كثيفاً، مشبهاً إياه في تراكبه وكثافته بعذق النخلة المتدلي والممتلئ.
ومع انتقال الشعر إلى فضاء الغزل الحضري، أصبح شعر المرأة خاضعاً لنظرة المجتمع ورقابته. يلتقط عمر بن أبي ربيعة هذه العلاقة بوضوح حين يقول «طوَتْ ضفائرها فقلتُ لعلَّها.. خافت عيونَ الناسِ حين رأتننا» ما يعكس موقع الشعر داخل منظومة الشرف والرقابة الاجتماعية. أما شاعر المرأة في الشعر الحديث نزار قباني، فيضع شعر النساء في موقع الذاكرة الجسدية كشاهد على العنف للمجتمعات الأبوية ضد النساء. يقول «شعرك ليس خيوط حريرٍ.. إنه تاريخ النساء المصلوبات».
وبهذا المعنى، يمكن فهم لماذا ينظر إلى قص شعر النساء قسراً اليوم بوصفه فعلاً يتجاوز الإهانة الفردية، ليصل إلى كسر معنى متعلق بالأنوثة ووجود ومشاركة المرأة عموماً. فهو جزء من هوية وثقافة هذه المجتمعات، واستهدافه يعني استهداف ما يرمز إليه لديهم.

