
تتجدّد نغمة «الشرق الأوسط الجديد» بين الحين والآخر في واشنطن والعواصم التابعة لها، بما فيها في المشروع الاستعماري المؤقت القائم على أرض فلسطين. اللافت في الموضوع هو أن من يستخدم هذا المصطلح يهدّدنا نحن أهل المنطقة به كأنّنا راضون بـ«الشرق الأوسط» القديم أو الحالي. أوّلاً، نحن لا نعترف بهذا المصطلح الاستعماري الأورومركزي الذي يعتبر أوروبا الغربية مركز الأرض ويقسّم الكتلة القارية الأكبر وحضاراتها ومليارات البشر الذين يقطنونها إلى شرقٍ أدنى وأوسط وأقصى. في «الشرق الأوسط الجديد»، لن يكون هناك أيّ ذكر لمصطلحاتكم، لا في المناهج الدراسية ولا في الثقافة الشعبية. شرق أوسط جديد هو ما نطمح إليه ونسعى إلى بنائه على أنقاض استعماركم الزائل.
خفتت التهديدات بـ«الشرق الأوسط الجديد» مع مرور الأيّام والليالي في الميدان، لكن فعليّاً، كل يوم من أيّام الصمود الأسطوري للمقاومة في القرى الأمامية على الحدود مع فلسطين المحتلّة جعلنا نقترب أكثر من أرض الميعاد. تلك الأرض التي نحلم بتحريرها وتحرّرها من القرن القاتم الذي حكم حياتنا وحياة آبائنا وأجدادنا منذ باتت بلاد مشرقنا العربي تسمّى «شرقاً أوسط». لن يشبه العهد الجديد في منطقتنا عهدها القديم. أولاً، لأن هذا دَيننا تجاه تضحيات الشهداء والجرحى الذين لم يرضوا بأن يباد شعبنا في فلسطين وهم متفرّجون. لكن الأهم هو أن من واجه وصمد وضحّى بأغلى ما لديه لن يقبل بشروط العيش القديمة، ولن يرضخ لترهيب وتهديد أعتى القوى العظمى وسفارتها التي تعمل ليل نهار على كسره، ليس بعد فشل عدوانها العسكري وأحدث ما توصلت إليه في تكنولوجيا القتل لديها في كسر المقاومين على جبهة الجنوب. لكن لا بد من أن تواكب الجبهات الأخرى بأس المقاتلين وتساندهم من أجل صدّ التسلّل إلى، أو بالأحرى التغلغل في خواصر بلادنا ومجتمعاتنا الرخوة في الثقافة والسياسة والإعلام وغيرها.
لا يختلف «الشرق الأوسط الجديد» الذي بشّرت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال عدوان تمّوز 2006 عن «الشرق الأوسط الجديد» الذي كان يحلم به بنيامين نتنياهو، قبل أن توقظه مسيّرات المقاومة التي أقضّت مضجعه حرفياً في قيسارية المحتلة. هما نفس «الشرق الأوسط» القديم الذي فُرض علينا بالعنف والإرهاب والتهجير منذ أيام عصابة الهاغاناه حتى اليوم. لم تكن الولايات المتحدة حينها قد ورثت الإمبراطورية البريطانية وجرائمها بعد، لكن لا فرق بينهما. كما لم تكن بريطانيا يوماً صديقة لشعوب البلاد التي استعمرتها، لن تكون الولايات المتحدة يوماً إلّا عدوّةً لشعبنا وكلّ شعب أراد التحرّر من هيمنتها. هذا المفهوم يجب أن يكرّس في الثقافة التحرّرية والسياسة السيادية والممارسة اليومية لشرق أوسطنا الجديد. هذا الأمر بطبيعة الحال يتطلّب لبنان جديداً لا ينبطح ساسته وعسكريّوه و«بنكرجيّته» وفنّانوه وإعلاميّوه لموظّف درجة رابعة في أروقة البيت الأبيض أو ديوان ملكي أو أميري ينصاع له. لن يختفي المنبطحون في لبنان الجديد، لكن لن يمكن لادّعائهم بأنّهم «جدد» أو «تغيير» أو «معارضة» أن يخفي حنينهم للبنان الأحفوري الذي دُفن من زمان لأنه أصلاً وُلد ميتاً. كما أن صمود المقاومة الأسطوري في وجه آلة القتل الأميركية الإسرائيلية لن يترجم ثأراً ضد صغار عبيد الغرب، لكن لا بد من أن يدركوا أنهم صغار وعبيد. هذا حجمهم، وهذا دورهم مهما حاول الاستعمار النفخ بفقاعاتهم، وأثبتوا ذلك حين فقعوا عند أول اختراق لجدار الصوت الذي علا على كلّ صياحهم.
طبعاً، للبنان في «الشرق الأوسط الجديد» امتداد جغرافي وتاريخي لن ينهض من دونه، وهذا الامتداد أيضاً بحاجة ماسة إلى التحرّر والتحرير وكل التضحيات الجسام التي يتطلّبها هذا المسار. هذه التضحيات هي ما ستُنْبِت «شرق أوسط جديداً» لا استعمار إبادياً فيه حتماً، فهذا الحدّ الأدنى من طموح الشعب. نستريح اليوم ونعود غداً لنعدّ العدّة للجولة القادمة التي يأتي فيها مستعمر متغطرس جديد ليهدّدنا مجدّداً بـ«شرق أوسط جديد». نحن اليوم أقرب إليه، وكل يوم يمرّ سنكون أقرب وأقرب. لا تهدّدونا بـ«شرق أوسط جديد». هذا ما نسعى إليه، وهذا ما نسفك الدماء من أجله، وكونوا أكيدين أن لا مكان لكم في «شرق أوسطنا» الجديد.

