
آخر خط سير المدنيين نحو الناقورة يصل إلى حاجز الجيش اللبناني في محلة الحمرا عند مفرق بلدة البياضة. العبور نحو الناقورة غرباً أو البياضة وشمع وطيرحرفا والجبين وشيحين شرقاً ممنوع، لأن «قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تزال تنتشر في محيط هذه البلدات، وتطلق النار على من يقترب منها»، يقول العسكري على الحاجز. في أول أيام وقف إطلاق النار، تمكّن أهل الناقورة والبياضة، البلدتين اللتين لم يدخلهما جنود العدو رغم محاولاتهم المتكررة، من تفقّد منازلهم. فيما حُرم أهالي علما الشعب والضهيرة ويارين والزلوطية والبستان ومروحين وأم التوت من الوصول إليها، فقصدوا بلدات بيوت السياد والمنصوري ومجدل زون الواقعة في الخط الثاني لمعاينة قراهم من أقرب نقطة ممكنة.
ولأن مجدل زون الأكثر ارتفاعاً، أصبحت الوجهة الفضلى لهؤلاء. لذلك، فإن الحشود التي شيّعت الشهيدين محمد سلمان وعبد الحسن الدر في البلدة أمس لم يكونوا من مجدل زون فقط، إذ حضر كثر ليطلوا من تلتي البيدر والبياض في البلدة على البياضة وشمع وطيرحرفا وشيحين في الجهة المقابلة.
الطريق إلى مجدل زون في ظل المقاتلات والمُسيّرات الإسرائيلية يمر بين صفّين متراصّين من الأبنية المدمّرة بدءاً من حي المشاع في أطراف المنصوري وصولاً إلى أطراف مجدل زون. كتل ضخمة من الركام والخراب تبلغ ذروتها في مبنى الحسينية والجبانة وروضة الشهداء. تدمير غالبية المنازل، وانقطاع الكهرباء والمياه منعا الأهالي من البقاء. ومن «عاند»، حاصره القصف المدفعي والتمشيط الناري على الأطراف، وصولاً إلى تنفيذ غارة من مُسيّرة استهدفت سيارة من نوع «رابيد» في وسط الشارع في وضح النار. عبّاس كساب الذي صدّق وقف إطلاق النار، عاد مع عائلته إلى بلدته لاستئناف العمل في الفرن الذي يملكه. فيما كان طفله علي (7 سنوات) يلهو قرب السيارة أمام الفرن، أطلقت المُسيّرة صاروخاً على الرابيد، ما أدى إلى إصابته بجروح استلزمت نقله إلى أحد مستشفيات بيروت.
نزل أبو علي قشاقش مع زوجته وأولاده وأحفاده في منزل أحد أقربائه بعد تدمير منازلهم لاستقبال المعزّين بشهاده ابنه علي. يستذكر مزايا ابنه «الشهيد القائد» ابن مجدل زون التي جعلها «موقعها الجغرافي منطلق المقاومين من كل حركات المقاومة نحو بلدات الحدود في القطاع الغربي. وفيها قال الشهيد السيد هاشم صفي الدين قبل أكثر من 30 عاماً: من هنا سنطاول تل أبيب». يحزن أبو علي مثل سائر أهل المنطقة لتأخر عودة جيرانهم إلى البلدات المجاورة، لكنّ علي الزين يؤكد أن «لا عودة للاحتلال. ما يحصل اليوم في بلدات خط الدفاع الأول والثاني، يشبه الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار بعد عدوان تموز 2006. فطوال أكثر من شهر، نفّذ العدو انتهاكات عدة لاتفاق وقف إطلاق النار كما يفعل الآن، وصلت إلى حد خطف مواطنين والتمركز في أطراف بعض البلدات. العدو يفشّ خلقه. ليس أكثر».

