
يستخدم مصطلح الـ«ريمونتادا» الإسباني عندما يعدّل فريق كرة قدم أو يفوز بمباراة تعدّ نتيجتها أو نتيجة مباراة الذهاب فيها في حالة المباراتين (ذهاب - إياب) مستحيلة التعديل، وفيها فجوة لا تقلّ عن ثلاثة أهداف. غالباً في هذا السيناريو، يغادر الجمهور مدرّجات الملعب ويدخل إلى الملعب لاعبو الاحتياط. يقول المثل إنّ «الاحتياط واجب»، وذلك بناءً على موروثٍ تاريخي من التجارب التي حتّمت على الإنسان أن يحتاط.
ممّا لا شكّ فيه هو أنه في الأسبوع الأخير من أيلول والأسبوع الأوّل من تشرين الأوّل الماضيَين كان لبنان ومقاومته في وضعٍ لا يحسدان عليه. ليس من الضروري أن نستذكر النكسات المتتالية التي تعرّضنا لها في هذين الأسبوعين، فهي حُفِرت في أذهان أجيالٍ لن ينسوها كما لم ينسَ من سبقنا النكسة الكبرى والنكبة التي سبقتها. حتّى من كان منّا يحاول بثّ المعنويات والدعوة إلى الثقة بالميدان ورجاله، كانت تراوده الشكوك بأن الهزيمة احتمال. لو لم تكن الخسارة احتمالاً لما تردّد أحد في أيّ مبادرة في أيّ مجال من حياته. الهزيمة لم تكن احتمالاً فحسب، بل استبقها الأعداء واحتفلوا بها مبكراً وبشّروا كلّ من وقف في وجه مجرمي الإبادة بأن مصيرهم أيضاً الإبادة. في عالم كرة القدم، كانت النتيجة خمسة - صفر.
قتلت «إسرائيل» بمساعدة وتوجيه آلهتها ومدرّبيها في واشنطن خط الدفاع والوسط والهجوم وحارس المرمى الأساسيّين و«بنك» الاحتياط، وافترضت أن ذلك كافٍ للقضاء على الخصم. لا يمكن لوم الأعداء أنهم افترضوا أنّه ليس لمارادونا بديل، فمارادونا يظهر مرّة كلّ جيلين أو أكثر. لكنّ ميسّي قادرٌ على الفوز أيضاً، وهذا ما لم يتصوّره الطرف الخاسر في الـ«ريمونتادا». هرع بعد ستّة أسابيع من النكسة الحكم الرابع إلى إيقاف المباراة لأنّه لم يعد يحتمل رؤية فريقه يفرّط بالخمسة - صفر ويُمَرَّغ أنفه في سهل الخيام من قبل الاحتياط.
ممّا لا شكّ فيه أيضاً أن إيلام العدوّ نافعٌ. لكن لا يكفي مجرّد إيلام «إسرائيل»، كما أنّ إيلام «إسرائيل» وحدها ليس كافياً. مجرّد الإيلام يوقف العدوان، لكنّه لن يزيل السرطان الإسرائيلي. وإيلام العدوّ ليس محصوراً بجغرافيا فلسطين، فللعدوّ أرباب وأذرع أخطبوطيّة لإيلامها منفعة أيضاً. الصمود وتعديل النتيجة بعد النكسة إنجاز، لكنّه مجرّد تعديل للنتيجة. وبالإذن من سماحة الأمين العام الجديد للحزب، الأساس في المقاومة اللبنانية الذي ساهم في تجاوز النكسة، ليس الانتصار الذي نسعى إليه. الأهداف التي راودت أفكار «المجانين» الذين قرّروا مواجهة أعتى الإمبراطوريات ومحاسبتها على جريمة الإبادة التي ترتكبها عندما خضعت الكرة الأرضية لها لم تتغيّر ولن تكتمل الـ«ريمونتادا» من دون تحقيقها.
طبعاً، لا نعيش في مباراة كرة قدم. ليست هناك صافرة نهاية المباراة، وليس هناك وقت بدل ضائع. وقتنا يقاس بالثواني والدقائق والأيّام والليالي والميدان، الذي هو أرضنا وجمهورنا. وطبعاً، لن تُقنع مهزوماً، فهو مهزومٌ. والمنتصر لا ينتظر شهادتك، فشهادته من علياء فردوسه الذي لا يفهمه كثيرون. لكنّنا نقف اليوم على أرضٍ هي أصلب ممّا كان متوقعاً عقب نكسة الخريف. الأرض أصلب حتّى ممّا كان يتوقعه المؤمنون بالنصر دائماً ومجدّداً. ومن على هذه الأرض، نخطو خطواتنا التالية. واهمٌ من يظنّ أنّ الأثمان التي دفعت قابلة للبيع والشراء في بازارات السياسة الداخلية أو الخارجية، فالمعركة مستمرّة، ولا استراحة محارب لمحاربينا قبل النصر النهائي. لا شك أنّها كانت نكسة... ولا شك أنّها «ريمونتادا» على طريق القدس.

