الهيئات الناظمة... كيانات رقابية معطلة بفعل التجاذبات السياسية
في عام 2000، كان الوضع الاقتصادي في لبنان سيئاً، حينها طلب الرئيس رفيق الحريري من الرئيس الفرنسي جاك شيراك المساعدة، فاشترط المجتمع الدولي إنشاء هيئات ناظمة للقطاعات الأساسية.


في عام 2000، كان الوضع الاقتصادي في لبنان سيئاً، حينها طلب الرئيس رفيق الحريري من الرئيس الفرنسي جاك شيراك المساعدة، فاشترط المجتمع الدولي إنشاء هيئات ناظمة للقطاعات الأساسية، مثل الكهرباء والاتصالات والأسواق المالية والطيران المدني والبترول، بهدف تمهيد الطريق لنقل هذه القطاعات إلى القطاع الخاص.
فما هي هذه الهيئات؟ وما هو دورها؟
الهيئات الناظمة هي كيان رقابي متخصص يتمتع بالشخصية المعنوية وفقاً للقانون، ويتألف من اختصاصيين من القطاع العام والخاص ويتمتع باستقلالية تامة مالياً وإدارياً. وكان ذلك بتحول الدولة من دولة حارسة إلى أخرى ضابطة، إذ تقوم هذه الهيئات المستقلة بالاستجابة لعدد من الانشغالات وأهمها الإفراط الكبير في تسييس الإدارة التي تعد تابعة مباشرة للحكومة ولا تتمتع بالاستقلالية والحياد، وذلك لمنع الاحتكار بعد إتمام عملية الخصخصة من قبل القطاع الخاص.
وتنشأ هذه الهيئة في أي وزارة أو قطاع بموجب قوانين صادرة عن مجلس النواب، على أن تعين الحكومة أعضاءها، ويعطيها القانون صلاحيات تسمح لها بلعب دور كبير على مستويات عدة وباستقلالية تامة.
وغالباً ما تكون مؤلفة من ستة أشخاص، بحيث تتمثل فيها الطوائف الست الكبرى وفقاً لمبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
أما دورها فهو كالآتي:
- تقديم خطط للوزراء.
- إعداد الدراسات والأنظمة التي من شأنها تطبيق القوانين المتعلقة بكل قطاع وتحيلها إلى الوزير بغض النظر عن هويته أو انتمائه السياسي الذي من الممكن أن يتبدل بين حكومة وأخرى.
- تبدي رأيها في المشاريع المقترحة بما في ذلك تحديد الأسعار والخدمات وجودتها.
- تساعد في اتخاذ القرارات والإجراءات وفقاً لأحكام القانون الذي أقر إنشاءها.
- تتولى الهيئة صلاحيات تقريرية، تسحب سلطة القرار من الوزير المختص ومستشاريه إلى الهيئة مجتمعة.
تتمتع هذه الهيئات بسلطات واسعة تجعلها تختلف عن الأجهزة الاستشارية، مهماتها تتمثل في ضبط القطاع الاقتصادي أو الاجتماعي، وبفضل استقلاليتها تضمن الحياد طالما أن الدولة تتدخل في عدد من المجالات كعون، فلا يتصور أن تكون خصماً وحكماً في آن واحد، فهي تؤدي إلى التوازن بين المصالح المتناقضة.
عجز في الأداء
رغم مرور أكثر من عقدين على إطلاق هذه الهيئات، إلا أن معظمها لا يزال عاجزاً عن أداء دوره بسبب التجاذبات السياسية والتدخلات الوزارية التي عطلت انتقال الصلاحيات إليها.
كان من أولى التجارب في هذا المجال هي الهيئة المنظمة للاتصالات التي أنشئت عام 2002 لتحرير وتنظيم وتطوير سوق الاتصالات في لبنان، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2007.
مع ذلك، لم تتمكن من ممارسة دورها، بسبب تمسك الوزارة بصلاحياتها وعدم انتقال السلطة الفعلي إلى الهيئة. وفي عام 2010، أعلن رئيس مجلس إدارتها استقالته لأسباب سياسية تتعلق بتضارب الصلاحيات، ما أدى إلى توقف عمل الهيئة بالكامل من دون تعيين بديل.
في عام 2011 تشكلت هيئة الأسواق المالية التي لا تزال حتى الآن غير قادرة على ممارسة الصلاحيات التي أناطها بها القانون بالكامل نظراً إلى قانون الأسواق المالية لعدم خصخصة بورصة بيروت... وبالتالي فقد حُصرت صلاحياتها بإصدار التراخيص والتفتيش.
بينما لم يتم تعيين مجلس إدارة للهيئة العامة للطيران المدني حتى يومنا هذا، وذلك نظراً إلى التجاذب السياسي حول موضوع استثمار مطار بيروت والاستعانة بالقطاع الخاص لتأمين نشاطات وخدمات المطار.
فهل يمكننا أن نعوّل على الحكومة الجديدة لوضع حد لتعطيل الهيئات الناظمة، سيما أن وزراءها ذوو اختصاص وبعيدون عن المنظومة السابقة؟ أم أنها ستبقى رهينة التجاذبات السياسية؟
