ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

رسائل من مبدعين عرب: يا ناصر المظلومين

لبنان
|سياسة
حفظ المقالة

في كل مرّة تضيق فيها الخيارات أمام العدو، يخرج بالحلّ الوحيد الذي يرى فيه خلاصه: التخلص من قادة المقاومة ورموزها بالقتل. الحلّ الذي يمثّل بالنسبة إلى قادة المقاومة الحلم الأسمى ومكافأة نهاية الخدمة

مهدي زلزلي
مهدي زلزلي
السبت 22 شباط 2025
(رسم علاء مرعي)
(رسم علاء مرعي)
الخط

في كل مرّة تضيق فيها الخيارات أمام العدو، يخرج بالحلّ الوحيد الذي يرى فيه خلاصه: التخلص من قادة المقاومة ورموزها بالقتل. الحلّ الذي يمثّل بالنسبة إلى قادة المقاومة الحلم الأسمى ومكافأة نهاية الخدمة، ويضخّ دماءً جديدة في شرايين المقاومة ويلهب حماسة أبنائها للثأر والانتقام، ويقرّب إسرائيل من النهاية المحتومة التي تخشاها: «لا زوال لمشكلات الاحتلال إلا بزوال الاحتلال نفسه!». هكذا، تكسّرت قارورة الطيب في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2024، ليفوح أريجها ويغطي الأرض، ونسفت إسرائيل جهود عقود من التشويه والتزييف لإزاحة السيد حسن نصر الله من مكانته كأيقونة للثوّار ضد الظلم في كل مكان. وهكذا، انتقلنا من مرحلة التوسل لأصدقائنا من المبدعين العرب بأن يتجنبوا ذكر اسمه في مراسلاتهم معنا على تطبيقات المحادثة ووسائل التواصل الاجتماعي، لئلا يمسّهم في بلادهم سوء أو أذى، إلى مرحلة استقبال ما يرسله إلينا بعضهم من صور التقطوها بأنفسهم للوحاتٍ رُفِعَت في ساحات وميادين عواصمهم يزيّنها وجه الحبيب الذي كان وسيبقى شمساً لا يحجب ضياءها القتل ولا الحملات الإعلامية المغرضة. على أبواب تشييع سيد المقاومة، ننشر رسائل خطّها له مبدعون عرب من جنسيات مختلفة، فماذا قال الشعراء والأدباء العرب لـ «سيد الرجال»؟

زرعتَ فينا الأمل ورحلت


رشا فرحات ـ روائية فلسطينية من غزة
كنت رمزاً للثبات والصمود في وجه الظلم، والحقّ في مواجهة الطغيان. في يوم وداعك، نعيش لحظات من الحزن العميق، إلا أنّ مشاعل الحق التي أشعلتها في قلب الأمة تظل مضيئة في دروبنا، تُرشدنا في مواجهة التحديات.

كنت واحداً من أعظم القادة الذين وقّعوا بدمائهم على التاريخ. موقفك الثابت في دعم غزة وشعبها كان مصدر إلهام للجميع. لم تتردّد لحظة في تقديم كل أشكال الدعم لأبناء الشعب الفلسطيني، سواء على مستوى كلماتك التي كانت تهز كيان الاحتلال أو عبر الدعم المادي واللوجستي الذي قدمته لحركات المقاومة الفلسطينية. على مرّ السنوات كنت الصوت المدافع عن قضيتنا، الحريص على وحدة المواقف والمصير، والمبادر دائماً إلى تقديم النصرة لغزة في وقت انشغل فيه الجميع بمصالحهم.

لن ننسى وقفتك المشرّفة أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، إذ كانت كلماتك الحاسمة ومواقفك الثابتة تبعث الأمل في القلوب وتؤكد أنّ الحق لن يضيع ما دام هناك رجال لا يتوانون عن دفع ثمن الحقيقة. في الوقت الذي كانت فيه بعض الأنظمة تتواطأ، كنت حاضراً في كل المعارك، قائلاً بوضوح: «غزة لن تكون وحدها»، وكان صوتك يصدح في قلوب كل الأحرار على امتداد الأرض العربية والإسلامية.

فقدانك اليوم خسارة عظيمة للأمة، فمثلك لا يعوَّض، لأنك كنت البطل الذي زرع فينا الأمل في زمن اليأس، وأكّد لنا أنّ فلسطين حاضرة في قلب كل مقاوم، وإن غاب جسده عن المشهد.
رحمك الله، سيظل اسمك خالداً في صفحات التاريخ، وستظل مواقفك الشجاعة، وأفعالك النبيلة، أوسمة على صدورنا نفاخر بها الدنيا، ونحن نذكرك في كل وقت وحين.

أيقونة الأمة وعنوان الشموخ


أحمد بوداود ـ إعلامي وروائي جزائري
السلام عليك يا سيد الرجال وصفوة الأبطال وعترة من بيت الآل، من الجزائر أرض الشهداء، من ابن مجاهد ابن شهيد سليل الثوار وفرع من الأحرار، يؤمن يقيناً أن الناس موتى والشهداء أحياء، وأنك يا سيدي عنوان الحياة وقبس من نور جدّك الحسين أُلقيَ في صدور الأحرار الثائرين المنافحين عن عزّة الأمة وكرامتها، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.

لم تمت يا سيدي، إنما ارتقيت في مدارج السالكين لتعيش إلى الأبد في روح كل حرٍّ شريف، أنت اليوم شعلة لكل جهاد ونضال ضدّ الظلم والطغيان، ونبع كرامة وإباء يستسقى منه إكسير البطولة والرجولة وينار به درب التحرر وكسر قيود الجبروت والطغيان.

أنت يا سيد شهداء طريق القدس عنوان للشموخ وقهر الأعداء، في زمن جبن فيه الأمراء والزعماء، وتواطأ فيه الخبثاء، فقدّر الله وما كان شاء، فكنت أيقونة للأمة وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ستبقى حياً في أنفسنا وقلوبنا ما بقي الحسين حياً، والخائنون إلى زوال، فالسلام عليك يا نصر الله، طبت حياً وطبت ميتاً، إن الرجال الذين نهلوا من فيض عزمك مستمرون جيلاً بعد جيل إلى أن يأتي وعد الله فيُرفع اسمُك عند أبواب المسجد الأقصى.

احمل رسائلنا وكلماتنا والأسماء


مضر الآلوسي ـ شاعر عراقي
أعلم أنك من السابقين إلى ربك لأني أعلم أن الله لن يخلفك وعده، ولن يرد دعاءك، ولأنّي أصدق كل كلمة قلتها حتى وأنت تبشر نفسك بالشهادة وتطلب منا ألا تكون شهادتك نهاية المقاومة، بل هي الطريق إلى الله وأنت من يصل قبلنا ونحن من ننتظر ولن نبدل تبديلاً، وعند الله يكون اللقاء، وأعلم أنك ستحمل إليه ملايين الرسائل والكلمات والأسماء وقبضة من تراب الوطن الممتزج بدماء الأحرار وشيءٍ من البارود وثبات المقاومين وأدعية الأمهات وبكاء الأطفال وجرائم الظالمين وسكوت الجبناء وخيانة الخائنين، وربما تمنيت لو أنك تحملني معك شاهداً على كل هذا، أعلم أيضاً أنّ جناحيك اللذين كانا كفتي ميزان سيكونان محملين بملايين الكلمات وأنت تحلق بهما نحو السماء، لكن لا بأس أيها الطائر الطاهر أن تحمل معك رسالة ممن يصدق يقيناً بأنك كما قلت: إنك لن تهزم وأنك ستنتصر أو...
وإن وقع الفعل بعد (أو) يكون منتصباً ومنتصراً يفيد الغاية لا التخيير والعطف، هل يحتاج العرب فهم هذا الدرس؟

هيبة الحضور والغياب


نور الرواشدة ـ شاعرة ومسرحيّة أردنية
لم أرَ في حياتي حدثاً يضاهي حضوركَ، حضوركَ في الحضورِ أو حضوركَ في الغياب، هيبة بحدّ ذاتها في كلتا الحالتين. لم أمرّ باسمٍ يتشكّلُ بالذاكرةِ كما لو أنَّه موروث يتعلّق بالبطولةِ والرجولة كما اسمكَ. ولم أشهد وجهاً لحظة يُطلّ، تطلّ معه مساحة شاسعة من الأمان، تليقُ بهِ وبمن أحبَّه وآمنَ بفِكره ونهجه المقاوم، وفي ذات الوقت تطلُّ كوابيس مُفزِعة جداً تليقُ بمحبّي الذلّ والهوان. وكما لم أسمع صوتاً يأتي متشبّعاً بكلِّ مفاهيم اليقينِ والسلامِ والخيرِ كصوتِك.

حضوركَ حدثٌ مرتبطٌ بأذهاننا منذ أن كنّا أطفالاً، منذ أن كانت أمّي تنادي بصوتٍ عالٍ: «السيد طلع، السيد ع التلفزيون»، لتنبّه والدي، فيترك ما في يديه ويحضر لمشاهدة السيّد. كانت جملة؛ «السّيد طلع» بالنسبة إلينا كأطفال حينها تعني: أنَّ البطل الذي يخوض نيابةً عنّا معاركنا كلّها، التي نعرفها ولا نعرفها وينتصر، يريد أن يقول لنا شيئاً مهمّاً. بعد كلِّ مرّة (يطلع فيها السيد) كنت أسأل أبي: «يابه لو مات السّيد بتوقف السيارات وبتنطفي الكهرباء واحنا بنتجمّد بمكاننا ما بنقدر نتحرك صح؟».

لا أذكر إجابات والدي حينها عن سؤالي المتكرر، ولكني لم أنسَ هذا السؤال إلى يومي هذا. سؤال طفولي بحت، لطفلة أثّثت ذاكرتها بتفاصيل بحتة، عن بطل لن يكرّره التاريخ... بطل كان يجب أن يقضي شهيداً ليظلّ في سياق التاريخ.

فليس منطقياً ألّا تكونَ شهيداً يا سيّدي، وألّا تكون حيث شئتَ، فوالله لا يليق بكَ إلّا ما أنتَ عليه، رحمك الله يا شهيد الأمّة وشهيد القدس وطريقها، طريق الأحرار. وسنظلُّ يا سيدي ما حيينا مع كلّ دقّة عروبة نضمرُ لكَ الحنين ونعلنُ لك الوفاء.

أيها السقراط الهاشمي


عادل الصويري ـ شاعر عراقي
أُراقبُ الوقتَ وهو يضعُ يدَهُ على خاصرتِه. يعرفُ أنّكَ نَجَوْتَ مِنَ الجدل، وكتبتَ اسمَكَ في الأعالي، وتركتَ بسمتَكَ الهادئةَ تسخرُ مِنَ القمعِ الفيسبوكيّ البارد، ومن ثرثرةِ الوحيدين أمامَ مراياهم، إذ لم يعد في وسعِهِمْ إلا أن يتفرَّجوا على ذواتهم الملتبسةِ عبر مرآةٍ أكثرَ التباساً، وقد كشفَ غيابُكَ الالتباسين معاً.

تصعدُ الآنَ مِنَ الآيةِ 214 من سورةِ البقرة، وسط تصفيق المجرّات والملائكة، بينما تلتفتُ قليلاً إلى الجنوب وَتُتَمتِم: «ألا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون».
أرهقتني كثيراً أيها السقراط الهاشميُّ. فأنت مثلهُ لم تترك مكانك حتى حين قالوا فيكَ ما قالوا. فضّلتَ أن تصعدَ وأنتَ فيهم، وتركتهم يتنقّلونَ بين خرزِ المسبحةِ الملتظمةِ بالخسارات.

كيف لم ينتبهوا إلى حكمتِكَ، بينما يقرؤون الآن ما قاله سقراط عن الحكمة: «إنّها في مقدورِ البشر، وإلى هذا الحد فأنا حكيم».
يقولُ الزمنُ إنه ينتظرُ عودتَكَ مِنَ الشموسِ المؤبّدة، وحينها يتورَّدُ الشحوبُ على تجاعيدِ الحياة، وتُضاءُ شمعدانات اليقينات التي ارتبكَ ضوؤها قليلاً. وإنَّهُ يتوقُ لرؤيتِكَ في مداولاتِ الخلودِ مُرَتِّباً الكربلاءاتِ الأرضيّةَ بجرحٍ مفتوحٍ على سورةِ الفجر.

هذا الطريق سنكمله

محمد الكامل بن زيد ـ قاصّ جزائري
في هذا العالم، في هذا الزمن، تقف على أرض وعرة الدروب. حالكة المسالك. لا شيء يثنيك عن السير قدماً نحو أفق رحب واسع. تجذبك الشمس المشرقة جذباً شديداً لا مناص منه. تمضي حاملاً في كفيك حجرة ليست ككل الحجارة وبندقية ليست ككل البنادق، كأنك النسر الجارح الحالم المشبع بكلمات الرحمن ينحت الجبال الشامخة بضرباته فيدكها دكاً. يلهج لسان حالك ليل نهار: «هذا الطريق سنكمله ولو قُتِلنا جميعاً، ولو استُشهِدنا جميعاً، ولو دمِّرَت بيوتنا على رؤوسنا، لن نتخلى أبداً عن خيار المقاومة».

في ظاهرها، هذه الطريق، هذه الأرض قد تبدو للعيان أرض خراب، بور حمراء اللون تعصف بأنوائها رياح السموم كأنها أهوال قيامة. إلا أنك دون سواك ظللت ترى بكل عزم وعين ثاقبة باطنها، ملاذاً آخر لجنة الخلد.

تردّد في آن واحد، بكل ما أوتيت من صوت جهوري يمتد إلى أقصى الأمكنة، كلمتك الشهيرة «ما دمت مع الحق فأنا مع الله ومن كان مع الله كان الله معه».
حين عبرت إلى الملاذ الآخر... إلى جنة الخلد... ظنّ أهل العدم من المغضوب عليهم وابتسامتهم الخبيثة تعلو سحنات أوجههم العفنة أنهم انتهوا من أحلامك الزكية الطاهرة، ناسين أن من صلبك انتفضت نسور كاسرة تأبى أن تخلف الوعد، فحلّقت زرافات زرافات، حاملةً في كفيها حجارة ليست ككل الحجارة وبندقيات ليست ككل البنادق.. وكلمة السرّ بينها: «فداك يا حسن يا نصر الله».

أرى الصبح بابتسامتك


حسن الحاج عگلة ثجيل ـ شاعر عراقي
من العراق الحزين عليك والمفتخرِ بك حدّ الزهو، أكتب إليك يا سيدي، بعد التّحية والسّلام اللذَين يليقانِ بمثلك ويؤدِّيانِ حقّكَ وإنْ بَعُدَ هذا على مثلي.
أُنبيكَ أَنّنا بقدرِ حزننا وفاجعتنا على فقدك وصدمَتِنا برحيلك، يعترينا شعورٌ مفرطٌ بالافتخار والتباهي بخاتمة مسيرتك وتغمرنا الطُّمَأنينةُ والسّكينةُ اللّتانِ ما فارَقَتا مُحَيّاك مُذ رأيناك.

ويكبرُ نخيلُ العنفوان الذي غَرَستَهُ بأرواحنا، ويُورقُ شجرُ الإباءِ الذي بَذَرْتَهُ بضمائرنا، كأنّهما سنديان جنوبك.
سيِّدي دعني أُخبرْكَ أَمراً أنت أعلَمُ بهِ منّي، ولكنّها لهفةُ المُحِبِّ للحديث مع الحبيب: لقدَ نشرَ نبأُ استشهادكَ الفرحَ حدّ الهستيريا لدى قوى الاستكبارِ العالمي وبثّ الشّماتة المُقَزِّزَةَ حدّ القرَفِ لدى أَذنابها وماسحي أَكتافها!
سيّدي يا حسسسسسسسس...

آهٍ آه، اسمح لي هذه المرّة أنْ أُناديك بكُنْيَتِك لأنّني أَودُّ الحديث عن أمرٍ تليق به الكُنْيةَ أكثرَ من الاسمِ
سيِّدي أَبا هاديَ الشّهيد،
لقد ذَكّرْتَنا كربلاءَ وجعلتَها ماثلةً أَمامنا فهي لم تغبْ عنكَ أبداً.. ها هو العالم رآكَ تقف وحيداً أَمام الجموع، وها هو العالم رآكَ تُقتَلُ دونَ قضيّتك ولا تكتفي بالكلام والشِّعارات الزّائفة. لقد احتوشوكَ بما صنعوا من أسلحةٍ وقنابلَ وبالغوا بها كمّاً وكيفاً كما فعلوا مع جدِّكَ الحسين.

«وإنّ الأُلى بالطّفِّ مِنْ آلِ هاشم، تّأَسّوا فَسَنُّوا للكرامِ التّأَسّيا»، لطالما هيمنَ عليّ هذا البيت الشِّعري وأنا أراك مُتَأسِّياً بالصّالحين من آبائك مُقتدياً بسُنَنِهمْ لم تتركْ غزّةَ تواجهُ مصيرها وحدها وكانَ بإمكانكَ ذلك، بل وأجدى لك ولمصالحك لو لم تستحضرِ العبّاسَ حينَ لم يتركِ الحسين وكان بإمكانه وأجدى له لو كان هاجسهُ وهاجسكَ المصالح!

سيِّدي لقد تعلّمنا منكَ أنّ الدِّعةَ والاستسلام لا يُحرِّرانِ أرضاً ولا يصونانِ شرفاً ولا يُديمانِ عزّاً وكأنّكَ سمعتَ ووعيتَ ما قالهُ زيدُ الشهيد: «ما كَرِهَ قَومٌ حَرّ السُّيوفِ إلّا ذَلُّوا »، ولذلك ألف مصداقٍ ومصداقٍ يتجلّى بفتيانكِ وحَواريِّيْكَ وهُم يَأتَمّونَ بكَ شاهداً وشهيداً ويغذُّونَ الخُطى بطريقٍ رسَمْتَهُ بدمائكَ الشّريفةِ...
إنّ مُجرّدَ تَصَوُّرِ أنْ لا أراكَ ثانيةً ولا أسمعَ صوتَكَ هو كابوسٌ مرعب يكادُ يفتكُ بي. إنّني أرى اللّيلَ بعمامتك والصُّبحَ بابتسامتِك وأُسافر بالزّمن بعيداً بإطلالتكَ لأحُطّ رحلي بباب دارِ عليٍّ وفاطمة مُتنفساً عبقَ النّبوةِ والإمامةِ من خلالكَ أنت. نعم أنت لا غيرك.
سيِّدي، لقد كنتَ رؤوماً بمحبيك رحيماً بهم ولكنّك قَسَوتَ بواحدة!
نعم سيِّدي لقد قَسوتَ على مُحبِّيكَ بفراقك.
سيِّدي، لا تقلقْ إنْ غَفَلْتُ عنوانكَ في رسالتي فهو أَعرَفُ من أنْ يُعَرّفَ، إنّهُ: «علِّيِّيْن مع الشُّهداءِ والصِّدِّيقينَ وحسُنَ أُولئكَ رفيقاً، يا حسن، والسّلام»

ستصلي في القدس لا مراء


حسن سامي العبد الله ـ شاعر عراقي
سلامٌ عليك وأنت في عليائك، أيها الأسمى. سلامٌ على صوتك الهادر في الخالدين. سلامٌ على بسمتك في عليين. يا سيد المعادلات وسادن اللاءات وحارس البقاء بحضوره وغيابه، أكتب إليك من عالمنا اليتيم.

سيدي الأجلّ. نيف وثلاثون من حفظ الأمانة، وصون القيادة، وأداء الرسالة، علّمتنا فيها الحب والأسماء والإباء، نيف وثلاثون مضين وأنت باقٍ في الضمير وفي التاريخ والجغرافيا، ما زالت ترسم بريشتك الغيبية لوحات المجد وملامح القيام.

أيها الممتدّ منا وإلينا، لا الرسائل تتسع للامتناهية الفقد ولا اللغة توجز مجرات الفراغ التي نتوه بأبعادها، لكنّ أملاً بنصر الله وغلبة جنده وشيئاً من ملامحك النورانية التي تتأصل في مداركنا تهبنا السكينة والطمأنينة والسلام. السلام الذي اختطته فوّهات البنادق وهيهات الرجال، الرجال الذين أمّنتهم القرى الخضراء والماء والمدائن والتين والزيتون.
ولأننا نؤمن بأن الشهادة معراج وانطلاقة ووصول، فلا شك ولا ريب فيما اخترت وأردت ونلت. أيها الخالد في الجرح والملح والدمع والصلاة. عزاؤنا أن صوتك باقٍ ما بقي الليل والنهار يتردد صداه في كل زمان ومكان «حاضرون في كل ساح... لن نترك السلاح».

ما زالت عباءتك تظللنا بالحب والدفء وكأنها خيمة البلاد من القدس إلى بغداد ومن صنعاء إلى بيروت، يا صادق الوعد وحافظ العهد وقائد الجند على أبواب فلسطين التي تتنفّس شذاك، ستصلي في القدس لا مراء، وستمسح على رؤوس اليتامى وتعانق التائقين لأنك في الذين قال عنهم الله «أحياء عند ربهم يرزقون».
للآن تتوضأ القرى باسمك وتصلي عليك صلاة الحاضر! أيها الحاضر الموجود في دموع الأمهات وفي حكمة الشيوخ وعنفوان الشباب وبراءة الأطفال، بنادق بنيك تزغرد وأكفهم تصفع، ولاءاتهم ناجزة قائمة.. دام ظلك الوارف أيها الأمين العارف...

عصا كبريائك تلقف أفاعي خنوعهم


فراس متاني ـــ شاعر عراقي
نصر الله، أيّها المتدلّي كعناقيد الفراديس لراحات الثائرين. أيُّها الموغلُ في حلَكِ الخنوع إباءً حسينيّاً. أيّها المحيلُ صباحاتِنا دياجرَ يأنفُ الخسوفُ اكتناهَها. أيُّها الواثبُ على دكّةِ الرفض بيرقاً عبّاسيّاً وساعداً تنبض في نواشرِهِ دماءُ عليّ.

أيُّها الموهي أباطيلَ مناوئيك بنبرةِ صوتك التي ردمتْ هوّة التاريخ وتجلّتْ بهيهاتَ لا تُنعَتُ بأخرى. أيُّها المتماهي مع تخوم المستحيلات نصراً ممكناً في كلِّ آن. أيُّها النابض في صدر الصحاري قراحاً مستفاضاً صوب أهوائها القصيّة. أيُّها المارجُ التخلّي بالتجلّي حين أزمعت الرحيل من دارٍ واحدة إلى كلِّ دار.

أيُّها المؤثِرُ والمؤثَر عليه حين لبّى نداء شوقِهِ لعبّاس الموسوي، فآثر اللهُ أنْ يبذر في كلّ بيتٍ حسناً لا أدّعي أنّهُ أنت، بل أجزم،
أيُّها المتنامي سنابلَ أنَفَةٍ وحميَّةٍ في جدب الضمائر حين شحّ الغمام.

كان لا بدَّ أن ترى وتُري: أن ترى من زفَفْتهم بيديك الكريمتين قرابينَ عزٍّ ومشاعِلَ وفاءٍ لشريعة جدّك السمحاء، وأنْ تُريَ أحبابك قبل أعدائك أنَّ من أحسنَ اللهُ رصفَ سجاياه وصَنَعَهُ على عينه لا بُدَّ أن يؤتيه حُسْنَ خاتمةٍ رِدْفاً لمقامه الأسمى...

أيُّها النائي الأقرب إلى المُقلةِ من سُحِّها المترقرقِ حرقةً على مثلك.. وهل لك من مِثل؟

أيُّها الجاعل البكاءَ فخراً وهذه وِترِيَّةٌ حسينيّةٌ أبحتَ مكنونَها بعد قرونٍ وقرون.. أيُّها المتسلِّقُ سلالمَ الدُّعاءِ صحيفةً صحيفة. أيُّها المتدرِّعُ بما أوتي أسلافُهُ من طمأنينة. أيُّها المُلقى في ألسنةِ اللهبِ خليلاً خاطَ التوكُّلُ جلبابَهُ. أيُّها المُلقي عصا كبريائك تلقفُ أفاعيَ خنوعِهم ورزوحهم تحت ظلالِ المتغطرسين.
أيُّها المشتاقُ والمشتاق لَهُ حين التبس على فحول الصرف المعنيانِ، ولا أبرِّئُ ساحتَكَ من هذه التهمة الحصون، فقد اشتقتَ للحسين، وأذبتَ الخوافقَ شوقاً لمقولته الشريفة: «هيهاتَ مِنّا الذلّة».

كأن غيابك ليس سوى فكرة عابرة


ضياء الكيلاني ـ شاعر مصري
صباح السلام...
مساء السلام على روحِك الطاهرَة...
لأني لا أعرف الوقتَ كيف يقسِّمُه الله في الآخرة

فهل من صباح هناك؟ وهل من مساءْ؟
وهل يحملون النهارَ إليك...
إذا عنَّ شاي الصباح عليكَ؟

وحينَ تحنُّ إلى قهوةِ الليل هل يُحضرونَ لكَ الليلَ والساعةَ العاشرة؟
وهل يتركُ اليومُ أولَه هكذا... كي ترَى آخرَهْ؟

وبعدُ...
كأنَّ غيابَكَ ليسَ سوى فكرةٍ عابرَةْ،
تسللَ منها فأمسكته، وسلَّمتَه روحَكَ الطاهرَةْ
تعبتَ؟ ويا كم تعبتَ
وأنت تظلل أعمارنا، وترعى زهورك في الذاكرة
ولكننا كلّنا متعبون بهذا الغيابِ
كأنْ يدخلَ الليلُ في أيِّ وقتٍ ويجمع أقمارَهُ الساهرَةْ وبعدُ...
اطمئنَّ

فأبناؤك المخلصون - على العهد - لا يقطعون السلاما،
يؤدُّونَ فرضَ الجهادِ كراماً كما ينبغي أن يكونوا كراما،
فلا الثأرُ ينسَونَهُ في زحامِ الخطوبِ
ولا يخذلونَ الحماما

سوى أنهم من سواد العيون، إلى ربهم ينسلونْ...
يتامى... ونسلُ اليتامى يتامى،
وبعدُ...
بوسعك - يا سيدي - أن تباهي بنا الأنبياءْ،
وأن تخبرَ اللهَ عن أهلك الطيبينْ،

يغالِبُهُم في الصباحِ الحنينُ، ويغلبُهم في المساءِ الحنينْ...
وعن هؤلاءِ وعن هؤلاءْ...
بوسعكَ أن تخبرَ اللهَ عما تشاءْ
عن القدسِ، عن فئةٍ حول أكنافِهِ صابرةْ،

وبعدُ...
القطارات أسرعُ من أن أعيدَ النظرْ...
وأسرع من عامل الوقتِ وهو يعلِّقُ في مُقلتيَّ الصوَرْ،
وأسرع من أن أعُدَّ رجالَ الجنوبِ وأرزَ الشمالْ،
فأين القطارُ الذي لا يفوتْ؟

قطارُ المواقفِ وهو يشقُّ الجبالْ
قطارُ النضالْ،
قطارُ الثباتِ على الحقِّ وهو يهُزُّ البيوتْ،
تفوتُ القطاراتُ أين الذي لا يفوت؟

ليدركَهُ مَن يشيخونَ قبلَ ركوبِ القطار، وقبلَ اتخاذِ القرار،
وتُحصَى تجاعيدُ أفكارِهم في زوايا الكلامِ، فيخفونها بالسكوت...
وبعدُ...

فإنيَ لا أعرف الوقتَ كيف يقسِّمُه الله في الآخرة
ولكنني حين تغلبُني هذه الدمعة الشاعرَةْ...
تضيقُ المسافةُ ما بين لبنانَ والقاهرَة...
وتلمعُ عيني بما أنت أهلٌ له من سلام
وأغمضها...
فيرتلُ قلبي السلامَ على روحِكَ الطاهرَةْ

ظِّلَّ السماء


عادل بشر ـ روائي وصحافي يمني
كانت الساعة التاسعة مساءً بتوقيت صنعاء، في 14 تموز (يوليو) 2006، عندما صدح صوتك في ختام خطاب قصير: «انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الإسرائيليين».

كانت تلك المرة الأولى التي تدمع فيها عيناي فرحاً وعزة وفخراً، وتندفع العَبرَات نحو السماء، ومشاهد احتراق «ساعر 5 » الصهيونية يُضيء لُجَّة المتوسط، والمرة الأولى التي أتمنى لو أنني واحد من جنودكَ أو حتى حجر من أرض الجنوب يُرمى على المُحتل فيُحطم أسطورته الكاذبة.

«انظروا إليها تحترق»، 19 عاماً مضت وحتى هذه اللحظة، ما زال بدني يقشعر كلما أنصت إلى صوتك في ذاكرتي، تلك النبرة التي يستحيل على الذاكرة نسيانها.
«انظروا إليها تحترق»، إنه الوعد الصادق يا سيد الشهداء، وها قد أكرمنا الله لنرى هذا الوعد بنسخته اليمنية يتكرر في مضيق المندب والبحر الأحمر. ثُلة من شباب اليمن أغلقوا البحر في وجه عدو الأمة وبقوة الله ضربوا سفنه وتلك الداعمة له، فشاهدناها تحترق وأخرى تغرق والبقية تفر بعيداً... وهو ذات الوعد الصادق الذي أطلقه رفيق دربك السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بقوله «لن نترك فلسطين وقضيتها مهما كانت النتائج والتحديات».

أتُراك شاهدت ملايين المستوطنين يلوذون بملاجئهم تحت الأرض هرباً من «فلسطين 2» و «صماد 3» و «يافا»؟ أجزم أن ابتسامتك الجميلة علت سحنتك النيّرة وأنت في برزخك تسمع مسؤولي الاحتلال غاضبين يتوعدون بتدمير اليمن.

ثلاثون عاماً يا سيد العُظماء، كان صوتك وحضورك شاهداً على كل مرحلة من الصراع مع عدو الأمة. كنت يا أبا الهادي ناصر المظلومين، والمتحدث باسم المقهورين والثائرين، ولك في قلوب اليمنيين منزلة لن ينالها غيرك، فأنت أول من دافع عنهم وساندهم ضد عدوان أدوات أميركا و «إسرائيل». كنت الوحيد الذي يشبهنا، الوحيد الذي أشعرنا أن قضيتنا هي قضيته ونضالنا لا يختلف عن نضاله. كان صوتك يا سيد الاستثناء اليد التي تُربت على أكتافنا والنبض الخافق بين جنباتنا، فتبعث فينا الثقة والقوة والصمود.

سيدنا الأعز، ستظل حياً فينا وسيبقى نهجك النور الذي يُضيء الطريق إلى القدس، وسيأتي اليوم الذي ننفذ فيه وعدك ونهدم «بيت العنكبوت».

نم قرير العين.. لن تسقط الراية

منيرة جوّادي ـ روائية تونسية

رحلتَ عن دنيانا، لكن سيرتكَ خالدة لا تموت، محفورة في الذاكرة، فما رحل شريف إلا وبات فكرةً تنير السبيل لمن حملوا مشعل النضال من بعده.
كنت منارةً أضاءت درب الأحرار، وقلباً نابضاً بالعزيمة، صامداً، مقداماً، أشوس لم يعرف الخضوع رغم فظاعة العداء، فذُدْتَ عن حياض الأمة بكل ما أوتيت من جهد وعنفوان، ووقفت في وجه الظلم بإصرار الذين آمنوا بأن الموت قدر والحرية قرار، وسرت في درب الكفاح عزيزاً واثقاً بأن الحق لا يُهزم، وأن الحرية لا تُهدى، إنّما تنتزع انتزاعاً، وتولد من رحم التضحيات الجسام.

نم قرير العين مطمئناً، فقد تركت خلفك أجيالاً آمنت بحقها في الحرية، وحملت مشعلك، وردّدت اسمك بكل فخر، واستلهمت من شجاعتك طريق العزة والكرامة.
ستبقى ذكراك نبراساً يضيء الطريق حتى يتحقق وعد الله، وحتى يعود الحق إلى أصحابه، فالشهداء لا يموتون، بل يحيون في ضمير الأمة ووجدانها.
سيتحقق النصر المؤزّر بإذن الله تعالى لأن راية الجهاد لن تسقط ما بقي الظلم والطغيان.

لترقد روحك المناضلة بسلام، فقد أدّيتَ الأمانة على أكمل وجه، وضحَّيت بكل ما تملك في سبيل عزّة الأمة وكرامتها. سنظل نحبّك ونتذكرك، وسنروي حكاية بطولاتك لأطفالنا وأحفادنا لتبقى ذكراك حية في قلوبهم ما بقي الزعتر والزيتون.
سلامٌ على روحك الأبية، وعلى كل من اختار نهجك، حتى تكتمل المسيرة وتشرق شمس الحرية.
إلى جناتِ الخلد والنعيم يا شهيد الأمة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك