بالأميركاني المشبرح

اللهجات واللكنات في اللغة العربية، كما في اللغات الأخرى، تستخدم عامةً لتعميم أحكام مسبقة على المتكلّم. هذه الأحكام بطبيعتها نابعة من جهل يعمّم صورة نمطية مناطقية أو مذهبية أو عرقية أو عنصرية، وهي بالأصل طبقية. إذ غالباً ما تذوب اللهجات واللكنات عند الارتقاء الطبقي وتستبدل بنطقٍ يليق أكثر بالصورة النمطية للطبقة الحاكمة أو المالكة.
في العالم الناطق بالإنكليزية، تعتبر إنكليزية الملكة أو الملك هي المعيار للكمال النطقي، ولطالما عُمّمت تلك اللهجة على قنوات هيئة الإذاعة البريطانية التي تتحدّث بلغة لا تشبه لغة أي شارع أو صالون بريطاني، تماماً كاللغة الفصحى في نشرات الأخبار (أو عواميد الصحف) عندنا. وهناك روايات كثيرة من حول العالم عن كيف كانت لثغة ملك بحرف ما تتحوّل إلى أساس لفظ هذا الحرف في اللغة بالنسبة لعامة الشعب والأجيال التالية، فالملك لا عيب فيه.
لكن الأحكام المسبقة تنطلق حتى قبل أن يتفوه ناطقٌ بكلمة، فزيّ الشخص أبلغ من ألف كلمة، وللبلاط الملكي الانكليزي هنا أيضاً «الفضل» في تفصيل الأزياء التي تليق بصورة الحاكم والحكم في الغرب. وقد شاهدنا في الأمس مشادة كلامية في «أرقى» صالونات الامبراطورية، بدأت بالعتب على عدم مراعاة أحدهم معايير لباس المكان الموجود فيه.
واللافت هو أنه حتّى قبل بضعة أيّام، كانت لكنة الخنزيرة الكرتونية «بيبا» الإنكليزية تعتبر «أرقى» و«أذكى» من تلك التي يوبّخ بها نائب رئيس الولايات المتحدة جاي دي فانس، القادم من مراعي ولاية أوهايو، بطل الغرب ومنقذه في السنوات الأخيرة فولوديمير زيلينسكي، فقط لأنها أقرب إلى لهجة ملكة بريطانيا. لكنّ الملكة ماتت، وابنها العاق لا ينطق، وإن نطق لا يكترث أحدُ. هناك ملك جديد لا يَسكُت في العالم الأنغلوساكسوني، وإن كان في السابق تُعمَّم لثغة الملك بحرف على أدب الخطاب، فاليوم الملك «شرشوح» و«الشرشحة» ثقافة الحكم.
فعلياً، هرمية التملّق والتوبيخ موجودة منذ الأزل وشائعة جدّاً في أنظمة خدمة الاستعمار في منطقتنا وحول العالم، وإن غاب ذلّها عن البث التلفزيوني المباشر كما يحبّذه دونالد ترامب.
من دون الدخول في الأسماء، تجد كثيرين من رجالات البلاط، من المفكرين والمؤثرين والقادة والقضاة، الذين يبدأون وينهون كل جملة بـ«طال عمرك»، يحيطون أنفسهم بدائرة من المتملّقين يعاملونهم نفس معاملة «طويل العمر» لهم. صحيح أن «طويل العمر» ملك أو أمير، لكنّه ليس رأس الهرم ولو لبس لباسه وتلبّس بلكنته. عبدالله الأردني مثال حيّ على ذلك، وهو كان قد سبق عبد الناتو الأوكراني إلى مذبح البيت الأبيض ليباركه سيدّه الجديد على طريقته.
بالتزامن مع دخول عصر «الشرشحة»، هناك في دمشق وفي بيروت من لبسوا ثوب الحاكم ونطقوا نطقه، لكنهم ينتظرون الحُكم. سارع من هم دونهم على هرم خدمة رجل البيت الأبيض إلى الالتحاق بحلقات التزلّف الدنيا علّهم يُعلون من شأنهم بهذا الأسلوب، غير مدركين بأن من يتملّقونهم اليوم لم يكسبوا مكانة أعلى في الهرمية، بل فقط بدّلوا زيّهم. لكنّ هل للزيّ أي معنى في زمن ترامب؟
لم يؤنّب زيلينسكي لأنه دخل إلى البيت الأبيض بزيّ ميليشيا «زيتي»، بل لأنه دخله متنكّراً كزعيم وهو من خَدَمِه. عند «الشرشوح» الملك والرئيس والأمير ليسوا أسمى من «الشرشحة»، حتّى لو كانوا من «أبطال الغرب». فما بالكم بمن يتوسل على أبواب صغار خدم بلاط في بلادنا؟
