
يشهد لبنان، الذي لطالما اعتُبر واحةً لحرية التعبير في المنطقة، تراجعاً خطيراً، في الآونة الأخيرة، في حماية حقوق الصحافيين، خاصة الصحافيات.
بين الاعتداءات الجسدية في المؤسّسات الرسمية والملاحقات القضائية التعسّفية، تواجه النساء العاملات في المجال الإعلامي تحدّيات متزايدة تهدّد وجودهن المهني وتُضعف دور الإعلام كسلطة رابعة.
ليست الحادثة الأخيرة التي تعرّضت لها الصحافية الأجنبية، كرتني بونو، في السراي الحكومي، سوى حلقة في سلسلة انتهاكات تطال الصحافيات في لبنان. فأثناء تغطيتها زيارة الموفد الأميركي، توم برّاك، تعرّضت بونو لاعتداء جسدي من موظف يرتدي «بزة زرقاء»، قام بقرصها في بطنها محاولاً منعها من طرح سؤال حول الانتهاكات الإسرائيلية، بحسب ما قالت بونو لـ«الأخبار».
رغم أنّ السراي أصدر، لاحقاً، بياناً حاول عبره تبرير الحادثة بـ«منع التصوير»، إلا أنّ وصف بونو للواقعة كشف عن عنف جسدي وإهانة لفظية، ما يدل على سلوك لا يتناسب مع مؤسّسة يُفترض أنها تمثّل سيادة الدولة واحترامها لحرية الإعلام.
ووفق المكتب الإعلامي للسراي، فإنّ الزميل محمود فواز طلب منها وقف التصوير، وأبلغها بأنّ طرح الأسئلة في قاعة الاجتماع ممنوع، علماً أنّ هناك غرفة مخصّصة للصحافين حيث يمكن طرح الأسئلة والتصريحات، كما شدّد على أنّ فواز اكتفى بالتوجّه إليها «كلامياً فقط»، خلافاً لما جرى الترويج له.
على إثر الخبر المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي حول منع إحدى الصحافيات من طرح سؤال على الموفد الأميركي خلال زيارته للسراي الحكومة، وادعاءها بأن أحد اعضاء المكتب الاعلامي في السراي قد تعرض لها.
— رئاسة مجلس الوزراء 🇱🇧 (@grandserail) July 8, 2025
يهم المكتب الإعلامي في السراي الحكومي التأكيد أن ما جرى، هو أن الصحافية المذكورة…
يأتي هذا الحادث ضمن سياق أوسع من التعدّيات على الصحافيات، سواء من قبل الأجهزة الأمنيّة أو موظفين حكوميين، دون أي محاسبة حقيقية.
الحماية الدستورية لحرية الصحافة
من الناحية القانونية، يؤكّد الخبير الدستوري، عادل يمين، لـ«الأخبار»، أنّ حرية الصحافة في لبنان «محمية دستورياً ومعاهداتياً»، موضحاً أنّ المادة 13 من الدستور تكفل حرية الرأي والتعبير.
ويشير يمّين إلى أنّ مقدّمة الدستور (بموجب اتفاق الطائف) «تؤكّد التزام لبنان بالمواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
ويضيف: «العهدان الدوليان (الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية) يكرّسان حرية التعبير»، مشدّداً على أنّ حرية الصحافة في لبنان «مطلقة يحدّها فقط عدم التعدّي على حقوق الآخرين».
ويشدّد يمّين أيضاً على أنّ أي اعتداء على الصحافيين، سواء كان جسدياً أو لفظياً، «يُعدّ انتهاكاً للقانون».
ويتابع يمّين أنّ «من حق الصحافيين اللبنانيين والأجانب الحاصلين على إذن بالعمل في لبنان، الوصول إلى المعلومات، واستصراح المسؤولين والزوّار، ضمن الأعراف المتّبعة واحترام المراسم، أي الترتيبات المعتمدة أثناء استقبال الضيوف الرسميين».
في السراي الحكومي ببيروت وأمام كاميرات العالم، كانت الصحافية كرتني بونو تحاول أن تقوم بواجبها المعني وأبسط حقوقها وهو طرح سؤال .
— فاطمة فتوني | Fatima ftouni (@ftounifatima) July 7, 2025
سؤال عن أكثر من 4000 خرق إسرائيلي لوقف إطلاق النار في لبنان…
لكن الرد لم يكن إجابة بل يداً امتدّت لتكمم الصوت عبر قرصة مؤذية في معدتها من خلال أحدهم.… pic.twitter.com/6CTnyaM6nZ
أما في حال التعرّض لصحافي لبناني أو أجنبي، سواء جسدياً أو لفظياً أو معنوياً، فإنّ ذلك يُعدّ «مخالفة للقوانين اللبنانية، لما يشكّله من عرقلة لحرية العمل الصحافي»، وفق يمّين.
في ما يخصّ ما حدث مؤخّراً في السراي الحكومي، يعتبر الخبير الدستوري أنّ الملابسات «لم تتّضح بشكل كافٍ»، إذ اعتبر بيان رئاسة الحكومة أنّ ما جرى هو مجرد «طلب كلامي» من قبل المسؤول الإعلامي بعدم توجيه أسئلة أثناء لقاء رئيس الحكومة مع الزائر الأميركي.
وإن اقتصر الأمر على طلب هادئ بعدم طرح الأسئلة في لحظة غير مناسبة، دون تعرّض أو تهجّم، مع التأكيد على احترام حق الصحافي في السؤال في الوقت والمكان المناسبين، «فلا يُعدّ ذلك انتهاكاً قانونياً».
لا يمكن للبنان، الذي يتغنّى بحرّيته، أن يصمت أمام انتهاكات كرامة الصحافيات. فالاعتداءات الجسدية والقرارات القضائية الجائرة تهدّد جوهر الديمقراطية. وإذا كان الإعلام هو مرآة المجتمع، فإنّ كسر هذه المرآة يعني كسراً لأحد أهم مقوّمات الدولة.

