روبير عبد الله: كيف سينظر جورج إلى حالة بلدنا؟
روبير عبد الله، شقيق المناضل اللبناني جورج عبد الله، الذي كرّس العشر سنوات الماضية من حياته في النضال من أجل إطلاق سراحه، لا يزال غير مصدّقٍ أنّ شقيقه، أقدم السجناء السياسيين في أوروبا، قد عاد إلى وطنه لبنان البارحة.


روبير عبد الله، شقيق المناضل اللبناني جورج عبد الله، الذي كرّس العشر سنوات الماضية من حياته في النضال من أجل إطلاق سراحه، لا يزال غير مصدّقٍ أنّ شقيقه، أقدم السجناء السياسيين في أوروبا، قد عاد إلى وطنه لبنان البارحة.
يقول روبير لـ«الأخبار» بصراحة: «لم أتمكّن بعد من استيعاب اللحظة. ما أتمّناه هو شيء آخر تماماً. لكن كيف سيكون شكل جورج أو ماذا قد يفعل، ليس لدي فكرة. الصورة ضبابية؛ لا أستطيع توقّع أي شيء».
روبير، الذي كان يبلغ من العمر 18 عاماً عندما اعتقل شقيقه في فرنسا عام 1984، عاش منذ ذاك الحين في ظلال سجن أخيه. و«منذ اتخاذ قرار إطلاق سراحه، لم أفهم الفكرة بالكامل. ليس لدي مشاعر، أنا عاجز عن الشعور بأي شيء. لحظة رؤيته واحتضانه، لم يتنبّه عقلي لأي شيء بعد».
بالنسبة لروبير، «من 2000 إلى 2003، على الأقلّ، كان يجب على الدولة أن تكون قادرة على اتخاذ قرار بالإفراج عنه، حتى لو كان هذا القرار أوّلياً». ويلفت إلى أنّ «بعض القضاة قد صرّحوا علناً بأنه يجب إطلاق سراح جورج، وكان ينبغي على الدولة دعم هؤلاء القضاة، وتوسيع موقفهم، لكن هذا لم يحدث». هو يعترف للحكومة ببذل بعض الجهود، لكن «بالحدّ الأدنى»، سائلاً: «ألا يشعرون بثقل حقيقة أنّ هذا الرجل كان يمكن أن يكون أي واحد منهم؟».
ذكريات الطفولة... والفَقد
تظلّ ذكريات جورج قبل اعتقاله حيّة، مزيج من الإعجاب والحنين والتعقيد. ورغم أنه نادرٌ وجوده في المنزل، لكنه كان حاضراً بشكل عميق في تشكيل وعي شقيقه الأصغر.
يتذكّر روبير لحظات الطفولة المليئة بالحب والانضباط في آن واحد. كان جورج يصرُّ على أن يقرأوا باستمرار؛ فالتعليم كان غير قابل للتفاوض. يتذكّر بفخر كيف رافق جورج إلى المدرسة على درّاجته النارية.
كان جورج المشرف والمدير والمعلّم في مدرسة ريفية متواضعة تتكوّن من غرفتين فقط. «كان صوت الدرّاجة النارية هو جرس المدرسة.
عندما كان يصل، كان الأطفال يركضون وراءه. كان يُدرّس صفوفاً مختلطة، كل ثلاثة أو أربعة صفوف معاً». في القرية، كان جورج يتمتّع بالإعجاب والهيبة في آن واحد.
«كان الناس يخافون منه ويحبّونه في الوقت نفسه». كان معروفاً بتجاوز الانقسامات الطائفية، إذ يتدخّل لحلّ المشكلات التي لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب منها. هذا الجانب من شخصية جورج كان له تأثير عميق على روبير. فـ«جورج، بالنسبة لنا، كان شخصاً لا يمكن أن يُؤخذ بعيداً. كنا نعتقد أنّ أي شيء يمكن أن يحدث لأي شخص، ولكن ليس له».
كان جورج معروفاً بتجاوز الانقسامات الطائفية، ويتدخّل لحلّ المشكلات حيث لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب
اختفى ذلك الشعور مع سجن جورج. «اعتقاله أثّر علينا كثيراً»، يقول روبير، ويتذكّر بوضوح روتين العائلة يوم الأحد، حينما كانوا ينتظرون مكالمة من جورج.
«كان يجب أن يكون الجميع حاضراً. لم يكن مسموحاً لأحد بالإجابة إلا أمي». ويشرح إنّ «والدتنا زارت جورج بعد خمس سنوات من اعتقاله، ولكن قرّرت ألّا تزوره بعد ذلك لأنّ الأمر كان صعباً جداً عليها». في المقابل، كان إخبار جورج بوفاة والدته بعد سنوات لحظة صعبة أخرى. «كان موتها صعباً علينا وعليه»، يقول روبير.
العودة إلى واقع أسوأ
مع عودة جورج إلى لبنان عن عمر يناهز 74 عاماً، لا يزال روبير غير متأكّد ممّا يخبّئه المستقبل لهما. يقول: «أنا منزعج من فكرة أنّ شيئاً ما قد يكون خاطئاً، وأنّ جورج لن يبدو كما أتذكّره». يخشى من آثار السجن لعقود، جسدياً وعاطفياً. «أكثر ما يخيفني هو عدم معرفتي بمن سيكون الآن».
كما أنه قلق بشأن نظرة جورج إلى البلد الذي يعود إليه. في عام 2013، نشر رئيس تحرير صحيفة «السفير» الراحل طلال سلمان مقالاً بعنوان «جورج عبد الله، لا ترجع إلى لبنان»، يصوّر فيه واقع لبنان المأساوي. «اليوم الوضع أسوأ ممّا كان عليه في ذلك الوقت»، يقول روبير.
مع عودة جورج عبد الله إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الاعتقال الجائر، تبرز ذكريات العائلة عن الآلام التي تحمّلتها من أجل قضية ظلّت غائبة عن المشهد السياسي لعقود. في وقت اختارت فيه الدولة اللبنانية، غضّ النظر عن قضيّته.
ظلّ جورج رمزاً للصمود والمقاومة. رغم وجوده خلف القضبان، إلا أنه استطاع أن يُثوَّر الرأي العام، لأنّ الظلم دائماً ما يخلق مزيداً من المقاومين ويكشف الألوان الحقيقية للاستعمار والإمبريالية. ومع عودته إلى بلده حرّاً، يُثبت أنّ الحقيقة والعدالة، مهما طال الزمن، لا بدُّ أن تنتصر.
