الاستاذ ياسر...
منذ أن اشتد مرض الاستاذ ياسر نعمة، وحال دون تمكني من زيارته، كالعادة، للاطمئنان عليه، والتداول في التطورات، بت أخشى من مكالمة تبلغني أن اللقاء اصبح مستحيلا.


منذ أن اشتد مرض الاستاذ ياسر نعمة، وحال دون تمكني من زيارته، كالعادة، للاطمئنان عليه، والتداول في التطورات، بت أخشى من مكالمة تبلغني أن اللقاء اصبح مستحيلا.
في كل رسالة صوتية تأتيني من نجله، الزميل والصديق عمار، كنت أتوجس من ذلك، واعتقد انه كان يشعر بخشيتي فيبادرني اولا بطمأنتي ان الاستاذ ياسر بخير. الى ان حل أمس الاول، عندما تلقيت النبأ، وتزاحمت في رأسي تفاصيل علاقتي به.
عرفت الاستاذ ياسر مديراً ادارياً في «السفير» ثم مديراً عاماً، لكن الاهم هي معرفتي بانسان معطاء لا يبخل في اسداء النصائح للآخرين مستنداً الى خبرة طويلة في شؤون الحياة بمختلف وجوهها.
كان يسدي النصيحة بلباقة ومن دون «أستذة»، مع ان اسمه كان يرد على الاغلب مسبوقاً بكلمة «الاستاذ»، وكان بالنسبة لكثيرين في الجريدة أباً وأخاً وصديقاً من دون ان يشعرهم بأنه مديرهم العام.
لا أذكر بالظبط متى قويت علاقتي معه، لكنني احفظ له العديد من المواقف. منها اصراره في فترة العدوان الاسرائيلي في العام 1982 على الحضور يومياً الى الجريدة، مهما كان القصف شديداً، لمواكبة العمل وتأمين مستلزمات صدور العدد. وفي ذلك العام أيضاً تعرّضت للخطف، فكان الأستاذ ياسر سبّاقاً، مع الاخ الزميل باسم السبع، في الاسراع لمواجهة رئيس الحكومة المكلف، آنذاك، شفيق الوزان ومطالبته بتأمين الافراج عني.
اعتاد الزملاء في «السفير» على رؤية جلساتنا المسائية، كل يوم تقريباً، وكان بعضهم يشاركنا الحديث. في تلك الجلسات كان «أبو عمار» يتحدث في شؤون عدة، منها تلك الصعوبات التي واجهت إصدار العدد الاول من «السفير»، والطريقة التي اتبعها مع باعة الصحف لتأمين رواج الجريدة.
كان يروي الكثير عن نشأة حركة القوميين العرب، وكيف كان في شبابه متشدداً في مثالية نظرته الى النشاط النضالي، حتى انه استهجن في احدى المرات رؤية احد قادة الحركة وهو يشرب البيرة في احد مطاعم دمشق، معتقداً ان شرب البيرة يتعارض مع موجبات النضال.
حدّثني عن قيادي في الحركة استعان ببطانية، طالباً من خياط ان يخيطها معطفاً له، بسبب ظروفه المادية. روى الكثير ايضاً عن الحركة الوطنية وزعيمها الشهيد كمال جنبلاط، وما تولاه من مهام في تلك الفترة. عن علاقته مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري تحدث مطولاً، مشيراً الى نشاط الحريري في حركة القوميين العرب، وكيف كان يترافق معه في الطريق من صيدا الى بيروت بسيارة «ابي عمار» الـ«فولسفاكن الخضراء».
حدّثني عن مجلة «الحرية» وعن المناضل الراحل محسن ابراهيم وكذلك عن الشهيد غسان كنفاني وكيف كان قلمه ينساب بسرعة في كتابة المقالات.
الذكريات الاعزّ لديه كانت تتعلق بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ولقائه معه في العامين 1962 و1967 بتكليف من الحركة، وما تركه اللقاءان من اثر في نفسه.
نشاطه النقابي حضر مرات عدة في جلساتنا، مشيرا الى الحرج الذي شعر به الحريري حين تم توقيف الاستاذ ياسر في عهده على خلفية قضية تتعلق بالاتحاد العمالي العام، ولم يقتصر نشاط «ابي عمار» النقابي على ما يتعلق بالشأن العام في لبنان، بل كان داعماً اساسياً للتجربة النقابية في الجريدة عبر «الهيئة النقابية للعاملين» في «السفير».
حوارات تلك الجلسات عديدة ومتشعبة المواضيع، لكنها كانت تتوقف ما ان يحين موعد اطلالة ام كلثوم اليومية عبر التلفزيون، فيشير الاستاذ ياسر الى أسماء الموسيقيين المصاحبين لها.
رحم الله الاستاذ ياسر وأمسياته...
*صحافي ومدير التحرير في «السفير»
* شيّع أحبّاء واصدقاء وعائلة المناضل السياسي والنقابي ياسر نعمة جثمانه امس في مسقط رأسه صور. ولد نعمة في صور عام 1934، حائز على دبلوم في الصحافة من جامعة القاهرة العام 1954، عمل محرراً ومراسلاً في عدد من الصحف، من بينها «التلغراف»، «المصور»، «الكفاح العربي»، «الاحد»، و«الحرية» التي تولى إدارتها في الستينيات، قبل أن يشارك الراحل طلال سلمان في تأسيس جريدة «السفير» العام 1973 وإبصارها النور في 26 آذار 1974.
