حيونة الإنسان: سياسة استعمارية
منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، لم تتوقف الإدارات الأميركية عن وصف خصومها بلغة حيوانية تهدف إلى تصويرهم كائنات أدنى منزلة من البشر. وبالتالي، هم يستحقّون الوصاية عليهم للارتقاء بهم إلى مصافّ البشر، وإلّا، فإبادتهم أولى.


أطلّ علينا اليوم، المبعوث الأميركي توم برّاك، من القصر الجمهوري، لا بصفة ديبلوماسية، بل من موقع الوصيّ الذي جاء يعلّم «البربريين» الحضارة. ففي تصريح أمام الصحافيين، هددهم أنه سيغادر، إن بقي تصرفهم، أي طرحهم للأسئلة بعشوائية، «حيوانياً»، ممنّنهم أنه أغدق عليهم من وقته، ليحضر وأورتاغوس إلى الشرق الأوسط ليحلا مشكلاتهم «غير المجدية اقتصادياً».
منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، لم تتوقف الإدارات الأميركية عن وصف خصومها بلغة حيوانية تهدف إلى تصويرهم كائنات أدنى منزلة من البشر. وبالتالي، هم يستحقّون الوصاية عليهم للارتقاء بهم إلى مصافّ البشر، وإلّا، فإبادتهم أولى.
والجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن استثناءً في استخدامها خطاب «نزع الإنسانية» عن أعدائها، بل ورثت هذا السلاح الدعائي من التراث الاستعماري الأوروبي، وطوّرته ليصبح جزءاً بنيوياً من خطابها العسكري والسياسي.
برّاك يهين الصحافيين من القصر الجمهوري pic.twitter.com/VvEt28M6lw
— جريدة الأخبار - Al-Akhbar (@AlakhbarNews) August 26, 2025
في أميركا اللاتينية «حيوانات جر»
في أميركا اللاتينية، لم يتوانَ المستعمرون عن تجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم، فقد رأوهم «حيوانات بلا مالك»، وأجروا الأبحاث لبرهان أنهم مجرد «حيوانات جر». لذا، كان على البونغو أن يأكلوا بقايا طعام الكلاب ويناموا بجوارها، ويركعوا لكل رجل أبيض.
في اليابان «جذوع»
من جهتهم، كان اليابانيون خلال الحرب اليابانية الصينية الثانية (1937- 1945)، يستخدمون أجساد الصينيين لإجراء دراسات مخبرية بعد تشريحهم «أحياء»، وكانوا يطلقون على تلك الأجساد صفة «جذع»، فيُجرَّد الصيني من إنسانيته كي لا يشعر اليابانيّ بتأنيب الضمير.
في اليابان «وحوش» وفي فيتنام «نمل أبيض»
خلال الحرب العالمية الثانية، صوّرت الصحف الأميركية اليابانيَّ على أنه «وحش» و«أفعى مجلجلة يجب قتلها». وفي فيتنام، قد بلغ نزع الإنسانية مستوى مؤسساتياً، إذ وصف القائد الأعلى للقوات الأميركية، ويليام ويستمورلاند، الفيتناميين بأنهم «لا يعطون قيمة للحياة مثل الغربي»، فيما شبّهتهم تقارير البنتاغون بـ«النمل الأبيض الذي ينخر الأرض».
في رواندا «صراصير»
يبدو أن تجريد الخصوم من صفة الإنسانية يشكّل أسلوباً مركزياً في الحروب ذات الطابع العنصري. ففي رواندا وبوروندي، كانت عبارة «تخلّص من الصراصير» الأكثر ترداداً عبر إذاعة «ميل كولين» التابعة للهوتو، خلال حملة الإبادة ضد التوتسي.
واعترفت الصحافية فاليري بيميريكي بدورها في تأجيج الكراهية عبر جملتها الشهيرة: «لا تقتلوا هؤلاء الصراصير (التوتسي) بالرصاص، بل قطّعوهم إرباً بالمناجل والسيوف». هذا الخطاب التحريضي أسهم في قتل ما يزيد على مليون إنسان واغتصاب مئات الآلاف من النساء.
في أفريقيا «حثالة قذرون»
وفي ذاكرة أفريقيا الدموية، لم يكن الغرب بعيداً من خطاب «حيونة الإنسان» هذا. ففي الولايات المتحدة، أطلق الرئيس دونالد ترامب أوصافاً مشابهة على المهاجرين الأفارقة واللاتينيين، فوصفهم بـ«الحيوانات» و«الأشخاص القذرين»، متسائلاً باحتقار: «لماذا يأتينا هؤلاء الحثالة من بلادهم؟».
في العراق «جرذان في الجحور»
حين غزت أميركا العراق عام 1991، أعلن جورج بوش الأب أن «هؤلاء الحيوانات حاولوا إبادة بلد صغير». وبعد عقد، عاد الخطاب نفسه على لسان وزير الدفاع رامسفيلد الذي وصف المقاومين العراقيين بأنهم «إرهابيون يختبئون كجرذان في الجحور». أما صورة صدام حسين في حفرة تكريت، فقد رُوِّج لها كرمز لـ«الجرذ المحاصَر»، في تكرار متعمد لرمزية التحطيم.
في أفغانستان «ضباع في الكهوف»
بعد أحداث 11 أيلول، صوّر جورج بوش الابن مقاتلي طالبان والقاعدة بأنهم «ضباع تتغذى على الأبرياء»، فيما قال الجنرال تومي فرانكس: «ليسوا محاربين بل وحوش». وكان الهدف من ذلك واضحاً: تجريدهم من أي هوية سياسية أو بشرية لتحويل الحرب إلى «عملية صيد».
في فلسطين «حيوانات بشرية»
أعادت إسرائيل إنتاج المفردة الاستعمارية في توصيف الفلسطينيين الذين «لا يستحقون الحياة». فبيغن قال إن الفلسطينيين «وحوش تمشي على قدمين». ومنذ السابع من أكتوبر، توالت تصريحات الإسرائيليين «المحيونة» للفلسطينيين، إذ يكاد لا يخلو تصريح لوزير أو قائد عسكري أو حتى جندي منها. فقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الفلسطينيين بـ«الحيوانات البشرية»، ما يجعل من إبادة الغزيين اليوم، مجرد «إبادة لحيوانات» لا تستحقّ العيش.
ولم تكن واشنطن بعيدة من الخطاب الإسرائيلي في سلب الفلسطينيين إنسانيتهم. إذ وصفت كوندوليزا رايس مقاومي غزة عام 2006 بأنهم «حيوانات متوحشة»، بينما صرّح السيناتور ليندسي غراهام عام 2023: «نحن نقاتل حيوانات لا بشراً»، ما يكشف وحدة المنطق الاستعماري في الخطابين الأميركي والإسرائيلي.
الاستعمار لتعليم الحضارة!
منذ بزوغ عصر الاستعمار، لم يكن تجريد الخصوم من إنسانيتهم مجرد تعبير لفظي، بل إستراتيجية حرب نفسية وسياسية. فالدول المستعمِرة حرصت على تهيئة الجنود للقتل من دون شعور بالذنب، وعلى مخاطبة الرأي العام الغربي لإقناعه بأن حروبها ليست اعتداءً على شعوب، بل معركة حضارية ضد «وحوش» تهدد النظام الدولي.
وهكذا يتضح أن اللغة العنصرية التي نزع إليها برّاك اليوم تجاه الصحافيين ما هي إلا جملة في قاموس تجريد «العالمثالثيين» من إنسانيتهم لترويضهم وجعلهم يتقبّلون، ممنونين، دونيتهم واستعمارهم والوصاية عليهم ممن أغدق عليهم من وقته لتعليمهم «الحضارة».
