ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

عامٌ بِطَعْم العِشْرَة

لبنان
|سياسة
حفظ المقالة

أومأت بيدها وقالت: من هذا الشبّاك الخشبي كانوا يتلقّون تأشيرة الانطلاق إلى الجلسات السرية في ما بينهم، وإلى النشاطات والحلقات العلنية المتنوعة ثقافياً ودينيّاً في المسجد.

ندى بنجك
ندى بنجك
السبت 20 أيلول 2025
(خاص الأخبار)
(خاص الأخبار)
الخط


أومأت بيدها وقالت: من هذا الشبّاك الخشبي كانوا يتلقّون تأشيرة الانطلاق إلى الجلسات السرية في ما بينهم، وإلى النشاطات والحلقات العلنية المتنوعة ثقافياً ودينيّاً في المسجد.
مِنْ هذا الشباك؟ لمن هذا البيت يا خديجة؟
هو بيت جدّي... هنا عاش وتربى والدي «السيد محسن».
في الأوزاعي، في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن إحدى الحارات الضيقة الفقيرة، ندخل المكان الذي غادره أصحابه ولكن لا تزال تعيش فيه الحكاية.

هنا تُعشش أصواتهم وكل الذكريات.
في العادة تُروى الحكايات أو تُكتب؛ ولكن في ذاك المكان تشمّ الحكاية عبقاً عتيقاً يُخزّن الكثير من الملامح والصور، فالزمن دكّ فيه رائحته، وباتت التفاصيل معلقة فوق الأبواب وعلى الشبابيك والجدران.
كانت طرقة يد واحدة على هذا الشبّاك كافية لأن يلتمّوا جميعهم، ويتوزعوا في المهمّات.

مَن هُم، ولماذا لهم في سجلّ المقاومة حكاية؟
كانوا مجموعة يتحرّكون في العتم، فما سرّ الضوء.
وحدهم الأبطال، تولد لهم بداية في مستحق النهاية؛ وحينما غابوا واستشهدوا، احتلّوا أجمل الصفحات، ونشأنا ونحن نتسابق لكي نلتقط عنهم أطراف الكلام.

ولأنّ الكبار حينما يتكلّمون يزيحون عن أنفسهم الوهج، ولذلك روى «السيد محسن» حكايتهم بعد وقت، قالها لبعض أفراد بيته وإخوانه، وأمام فئة محددة من المختصّين الصحافيين، من الذين بحثوا في هذا المجال ويسألون. كان يسرّح خيوط جهادهم واستشهادهم، ويُبقي باب الحديث مفتوحاً على سرٍّ لا يدري به إلّا القليل من الخواص المقرّبين...

هو الزمن الآن يمرّ من الشبّاك الخشبي نفسه، ويشاركنا نحن الجالسين، ويشاركنا غرفة العمر الجميل في البيت القديم لأهل السيد محسن، ثم يلقي صرّة من وجوه وأسماء...
السيد فؤاد شكر ، سمير مطوط، الشيخ أسعد برّو، حسن شكر، جعفر المولى، أحمد شمص، محمد حسونة، عاصي زين الدين، محمد نعمة يوسف، ومحمود يوسف.

واحد من هؤلاء الشبّان في ذاك الزمن، دق بيده على الشباك ولم يدخل... انتظر لكي تخرج المجموعة من الغرفة ومعهم السيد محسن.
فهذا وقت الغروب، وبعد قليل موعد الصلاة الدائم في المسجد.

جامع الناصر في الأوزاعي، يبعد عن بيت السيد محسن مسافة قليلة، هناك التقوا، صلّوا العشائين، وإذ إنها ليلة جمعة، قرأوا دعاء كميل، وبعد أن تفرّق بقية الحاضرين في المسجد، أكملوا سهرتهم فيه، وفي غمرة الحديث عن المستجدات والأحداث، وثّقوا في لحظة ناضجة قراراً ومساراً، واتفقوا في ما بينهم على أمر تسجّل في تاريخ المقاومة، تحت عنوان«عهد العَشرة»، وفيه:
«نتعاهد نحن الرفاق العشرة، على أن نقاتل إسرائيل، مهما كانت الظروف والصعوبات، وأن نستمر على هذا العهد معاً حتى لو استشهدنا جميعاً».

هي ليلة من نور في وجه النار. حصلت على أثر الاجتياح الصهيونيّ لبيروت عام 1982، وتقدم القوات الغازية إلى منطقة خلدة.
«السيد محسن» قادم من جهاز الأمن العام حيث كان يعمل، وهو قبل الاجتياح، كان يعدّ المجموعات في منطقة الأوزاعي ثقافياً وتعبويّاً، ثم تسليحاً بعد أن جرت في ضلوعه صيحة الإمام الخميني في عام 1979، حين أطلّ إماماً منتصراً قائداً لثورة إسلامية تحارب المستكبرين وتنصر المستضعفين.

كل شيء بميقات، وفي رزنامة «السيد محسن» كتب موعد النهوض والجهاد سريعاً ولم يتأخر. وهناك، على شاطئ الأوزاعي، رست المراكب وهو القبطان... يعلّم المجموعات ويدرّبهم على فنون التحدي والقتال، ومنه انطلقوا جميعهم إلى المواجهة التاريخية في خلدة.
يحمل مسدسه ويصوّبه في وجه الجنود الصهاينة فيقتل ويجرح. ويستمرّ الرفاق معه في خط التحدي والتصدي حتى ساعة التراجع والانسحاب، فيشكّل مشهد المواجهة في خلدة على يد هذه المجموعة وغيرهم من المقاتلين، وجهة في المسار والمصير.

المحطات بحر، وشاطئ الأوزاعي غدا المرسى التدريبي لهذه المجموعة. ومن المسجد إياه، صاروا بعد كل صلاة يتوزّعون في جبهات الجهاد، وتتعدد من حولهم الجهات.
بعد هذه المحطة بعام واحد، تزور جفن «السيد محسن» أوّل دمعة. لكنها لا تسقط، تظل ترابط في نظرته القيادية،كما لو أنها تحرس خلف متراس.

فقد وصله نبأ استشهاد الرفاق الثلاثة: محمد حسونة، وعاصي زين الدين، ومحمد نعمة يوسف، على أثر قيامهم بواجب جهادي. كان ذلك في عام 1983، وعلّقت صورهم كأول الشهداء في المجموعة.
يمضي «السيد محسن» في مسؤوليته العسكرية المركزية، التي تولاها منذ ظهور حزب الله والمقاومة الإسلامية إلى العلن، ومعه يمضي بقية الرفاق الذين تأسسوا على يديه، وارتدتهم القيادة أيضاً بكامل أوصافها.
كان على رأسهم سمير مطوط الملقب جهادياً بالحاج جواد.

يهمس السيد محسن في سرّه وعند باب حنينه: «جواد وما أدراكم ما جواد». هو قائد العمليات في الجنوب، وشهيد عملية علي الطاهر في عام 1987، حينما اقتحم أرض المعركة مصرّاً على سحب رفيقيه حسن شكر وجعفر المولى... فرمى الاحتلال ناره عليه، واستشهد في الموقع، وأسر جثمانه كما رفاقه لأحد عشر عاماً.

ولهذا حزم «السيد محسن» قلبه، وهو يكشف عن جثامين رفاقه الشهداء بعد عودتهم خلال عملية التبادل، واضعاً يده على خاصرته، حينما لاحت بدلة الحاج جواد العسكرية من النعش، وهي لا تزال على جسده.
كانت ليلة مفعمة بالحنين، غزيرة بكتمان الشوق من سنين، أمضاها في مكتبه، وهو يتأمل في وجوه الشهداء من المجموعة وقد صاروا مع استشهاد سمير مطوط ورفاقه ثمانية، حيث كان قد مضى قبلهم أحمد شمص ومحمود يوسف على أرض الجنوب في عمليات جهادية ضد المحتل الصهيوني.

«يمضي تاسعَ عشرةٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
فبعد محمد حسونة مضى عاصي ومحمود وبعدهما مضى المُفتي وبعده مضى أحمد ثم جواد وجعفر وحسن والآن دور التاسع ليرحل عنكم إلى سبيل ربه...»
وحده «السيّد محسن يعرف مثقال هذه الكلمات التي خطها الشيخ أسعد برّو وتركها له قبل المضي إلى تنفيذ عمليته الاستشهادية في المطلة.

فقط عام واحد ما بين جواد وأسعد، و«السيد محسن» قبل ذلك بأعوام يُمنّي النفس باللحاق بأحبته، وذات مرة يذرف حسرة أمام أسعد، ولكنّه سرعان ما يلمّها معبّراً أنه سيمضي قريباً إليهم.
لكنّ أسعد نافذ في بصيرته كما في مزحاته، يمرّر إليه ويقول: «سأستشهد قبلك وأنت ستكون أيامك طويلة وحزينة وسيأتي يوم وتعيش فيه مع الذكريات وقلبك عندنا وروحك معنا...»

كم مرّة حدّق «السيد محسن» في الشباك الخشبي، وتحسّس يداً تطرق قلبه... فالقائد أيضاً يشتاق، مهما علت رتبته، وتراكمت خصوصيته، ودارت في الأرض محطاته وإنجازاته، هو أيضاً لديه ذكرياته ورفاقه، ويشتاق...
مرت خمسة وثلاثون عاماً بعد آخر الرفاق أسعد، و«السيد محسن» يعيش الحكاية ويكتم الملامح التي ودّعهم بها من أوّل البداية. فهو من درّبهم بيديه، وحمّلهم السلاح والقرآن... وبيديه أنزلهم على التوالي في الثرى، في جبانة الأوزاعي، وشقّ في الليالي وعند الفجريات، ممرات سريّة توصل خطواته إليهم. وحيداً ظلّ يجيء إليهم. يجالسهم، يتحدث مع كلّ واحد منهم. وبقدر ما علت قيادته، وتوسعت قدراته في العسكر، فكان الحنين يحفر عميقاً في وجدانه وأيامه.

مبهر هو حتى في كتابة الشوق. مرة يأتي به من بين عينيه... حين يطل في زيارة فجائية لكي يسلّم ويتفقد أحوال أمهات وآباء هؤلاء الشهداء الرفاق، ومرة يأتي به من بين يديه، حين يبدع في المسار الجهادي والعسكري، فتكون النتيجة على شاكلة عملية ضرب البارجة الحربية في تموز 2006، أو رحلة «الهدهد» في حرب 2024.
أكمل مشتاقاً على طريقته، كما يليق باسمه. إلى أن نزل النور في التنّور، وصار له في صورة التسعة الذين سبقوا صورة، وكتب الله للمشتاق اللحاق.

منذ الثلاثين من تموز 2024 يُلقي في السيرة سرّه: لم يعد عهدُ العَشرة عَشْرة، صار جيشاً مدجّجاً بالدّماء وقد تأهّبت جميعها من بعدك، لأنّها بطَعْمِ «العِشْرَة»...
ها نحن نغادر المكان، ونُغلق الحديث الذي هبّ علينا من الشباك الخشبي، وسيحصل معنا تماماً كما حصل مع والدك الشهيد «السيد محسن»، فنغادر الأمكنة لنسكن في الحكايات.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك