
مع حلول الذكرى الأولى لعدوان 2024 وسط تصعيد إسرائيلي وتهديدات بتوسيع الهجمات، استحضرت الجمعيات المعنية بالأشخاص المعوقين، في مؤتمر عقدته في 17 أيلول الماضي، التجربة القاسية التي عاشها المعوقون خلال النزوح، ليس بهدف توثيقها فقط، بل لمنع تكرارها في أي حرب مقبلة أو حالة طوارئ مشابهة، ورسم خريطة طريق لإدارة الأزمة، من دون تمييز أو استبعاد لأي فئة، كما حصل في الحرب الأخيرة. ومن أجل ذلك، تطرق المشاركون إلى أسوأ السيناريوهات المحتملة، كقصف مراكز النزوح التي تضمّ معوقين مثلاً، بما يستدعي نقلهم سريعاً إلى أماكن بديلة مهيّأة لاستقبالهم.
في العدوان الأخير، فشلت الدولة في إدارة ملف النزوح برمّته، من دون إعفاء أيّ جهة من مسؤولية التقصير، وهو ما يبرّره المسؤولون بحجم الأزمة الإنسانية الذي فاق توقعاتهم وإمكاناتهم. غير أنّ الأمر يختلف حين يتعلّق بالنازحين المعوقين.
إذ إن هؤلاء أسقطتهم الحكومة من حساباتها منذ وضعت خطة الطوارئ لمواجهة مخاطر الحرب في نهاية تشرين الأول 2023. فرغم ما يتعرّض له الأشخاص المعوقون من مخاطر إضافية في زمن الحروب والنزاعات، نتيجة فقدان الاستقلالية في الحركة واتخاذ قرار النزوح، وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة أو التكيّف معها، لم يرد ذكرهم في الخطة مطلقاً. وهذا يعني أنّه حتى لو نجحت الحكومة في إدارة الأزمة كما كان مخططاً، فإن واقع النازحين المعوقين في مراكز الإيواء ما كان ليختلف كثيراً.
بناءً على ما تقدّم، بادرت «مجموعة المهام الطارئة الخاصة بالأشخاص المعوقين» (وتضمّ 30 منظمة) إلى إطلاق نسخة معدّلة من خطة الطوارئ الوطنية، تتضمّن تعديلات واقتراحات تضع المعوقين وحقوقهم واحتياجاتهم في صلب الاستجابة للأزمات الإنسانية وحالات الطوارئ. وأُطلق على هذه النسخة اسم «خطة الطوارئ الوطنية الدامجة»، إذ صارت تُدرج المعوقين بالاسم في مختلف تفاصيل الخطة السابقة، مع إضافة مفاهيم «مكيِّفة» و«مهيِّئة» على أكثر من مستوى.
حماسة رسمية للخطة الدامجة والمعوقون
لا يثقون بالوعود
وعلى هذا الأساس، تتوزّع مقترحات «الخطة الدامجة» على أكثر من قطاع. فعلى الصعيد الصحي، تقترح تحديد المراكز الصحية القادرة على استيعاب احتياجات المعوقين، مع تدريب العاملين في هذا القطاع على آليات التعامل معهم في حالات الطوارئ. وعلى مستوى الإيواء، توصي بتحديد مرجعية للإعاقة في كل مركز إيواء، إلى جانب تدريب العاملين على كيفية التعامل مع المعوقين، وتأمين مرافقين لهم عند الحاجة، مع مراعاة خصوصية المعوقين ذهنياً وتوفير ترتيبات تيسيرية تمكّنهم من التنقّل واستخدام المرافق والخدمات المتاحة.
أما في ما يتعلّق بالأمن الغذائي، فتقترح الخطة تفعيل الشراكة بين جمعيات المعوقين ومقدّمي الخدمات لتوجيههم نحو الاحتياجات الغذائية الخاصة بهذه الفئة، فضلاً عن التأكيد على ضرورة تأمين الكلفة المادية التي تغطّي حاجاتهم وحاجات مرافقيهم.
وتتوسّع الخطة أيضاً في تناول مسألة الحماية الخاصة بالأشخاص المعوقين، إذ تضيف مسؤولية وزارة العدل وجمعيات المعوقين إلى قائمة الجهات المعنية بهذا الملف. وتشدد على وجوب إدراج مفهوم الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة كبند دائم في أجندة الاجتماعات المتعلقة بالحماية، وإشراكهم إلى جانب المنظمات الممثلة لهم، وتوفير ترتيبات تيسيرية تتيح لهم المشاركة الفعّالة. كما تؤكد الخطة على ضرورة درس وتقييم احتياجات الحماية لهذه الفئة، وتعزيز التوعية حول حقوق الحماية وآليات التبليغ وتقديم الشكاوى، مع ضمان وصول المعلومات المتعلقة بالحماية إلى الأشخاص المعوقين بشكل مباشر وواضح.
وأخيراً، توصي الخطة، في ما يخص التعليم أثناء الأزمات، بتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية وغير الحكومية المعنية بالإعاقة لدى وضع خطط إدارة الكوارث التربوية. كما تشدد على ضرورة ضمان توفير بيئات تعليمية دامجة وآمنة لجميع الأطفال والشباب المعوقين، بعد إزالة كل العوائق التي قد تعيق وصولهم إلى هذه البيئات.
وفي السياق نفسه، شدّد المجتمعون على أهمية تأهيل المدارس الرسمية، بما في ذلك تخصيص الطوابق السفلية للأشخاص المعوقين، استجابةً لاحتياجاتهم ليس فقط أثناء فترات النزوح، بل أيضاً خلال مشاركتهم في الانتخابات. كما إن تأهيل المدارس يسهم بشكل مباشر في توفير بيئة تعليمية دامجة تلبي احتياجات المعوقين.
وكانت لافتة مشاركة الوزراء المعنيين أو ممثلين عنهم في المؤتمر، وحماستهم للأفكار المطروحة. فقد أشار وزير الصحة ركان ناصر الدين إلى أن «متابعة وتأهيل الأشخاص الذين أصبحوا معوقين بعد الحرب أولوية وطنية». ووعدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد «بدمج المعوقين في خطة الطوارئ الخاصة التي أعدتها الوزارة»، وأعلنت في إطار الخطة الوطنية لإعادة الإعمار عن «مرسوم لإعادة الإعمار وتجهيز المباني بطريقة دامجة، أعدته الوزارة بالتعاون مع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وسيُعرض قريباً على الحكومة».
إلا أن هذه الإيجابية لم تنعكس تفاؤلاً لدى الجمعيات المعنية بالإعاقة، لأن الكلام الإيجابي «نسمعه منذ أكثر من أربعين سنة من دون أن نرى غير التهميش والإقصاء»، كما قال رئيس إحدى الجمعيات المعنية بالإعاقة بعد انتهاء المؤتمر. واليوم، وبعد ثلاثة أسابيع على عرض خطة الطوارئ الدامجة، لا تزال الجمعيات قلقة من أي تجربة نزوح قد تكون مقبلة، والتي «لن تكون أقل قساوة من التجربة الأخيرة».

