دعاوى «قدح وذم» بالجملة تكمم أفواه الصحافيين
تزداد بشكل ملحوظ، أخيراً، دعاوى القدح والذم ضدّ الصحافيين، وتظهر ممارسات سياسية وقضائية مخالفة للقوانين، في إطار سياسة كمّ الأفواه وتقييد حرية الصحافة.


ضجّ الرأي العام أخيراً باستدعاء مراسل قناة «المنار» علي برو إلى التحقيق، وتعليق عمل «الجمعية اللبنانية للفنون- رسالات»، في خطوة تمثل تقييداً لحرية الرأي والتعبير. وكان عدد من الصحافيين والناشطين والفنانين قد نبّهوا خلال المؤتمر التضامني مع «رسالات» من خطورة الأداء الحكومي على الحريات العامة، ومن أن «اليوم رسالات وغداً كلّ صوت حرّ».
وتتحقق «نبوءتهم» فعلاً. إذ تزداد بشكل ملحوظ، أخيراً، دعاوى القدح والذم ضد الصحافيين وتظهر ممارسات سياسية وقضائية مخالفة للقوانين، في إطار سياسة كمّ الأفواه وتقييد حرية الصحافة.
فوجئ مدير موقع «اللبنانية» محمد طالب، بدعوى بحقه من القصر الجمهوري، على خلفية خبر نشره عن السيدة الأولى، نعمت عون، حيث ينتقد عدم تطرّقها إلى معاناة النساء الجنوبيات في الندوات واللقاءات التي تتناول قضايا المرأة اللبنانية. عدا تجاهلها جريحات تفجير أجهزة «البايجر».
ويقول طالب: «كتبنا الخبر بطريقة اعتُبرت ساخرة وفيها استخفاف بموقع الرئاسة لأننا لم نستخدم عبارة التفخيم». وعليه، تم استدعاؤه والتحقيق معه لمدة ساعة واحدة، ثم «حجزه» في مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية 12 ساعة، قبل التوقيع على تعهد بعدم مهاجمة السيدة عون مجدداً وإطلاق سراحه.
بذلك، قام القصر الجمهوري بـ«تأديب» طالب «من دون أن يتوافر أي دليل على جرم ارتكبه، ما يجعل استدعاءه إلى التحقيق غير جائز من الأصل»، بحسب المحامي حسين حجازي، الذي يجد أن «النية في الجرم هي الأساس وتشكل القصد الجرمي، ولا يمكن إثبات النوايا من دون توافر دليل مادي محسوم وكافٍ».
وخلافاً للمادة 29 من قانون المطبوعات التي تنصّ على أنه تحال أي دعوى تتعلق بالصحافيين حصراً إلى محكمة المطبوعات وليس إلى مكتب جرائم المعلوماتية، أصدر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، بلاغ بحث وتحرٍّ بحق علي برو بعد امتناعه للمرة الثالثة عن المثول أمام التحقيق في قضية إضاءة صخرة الروشة، وما رافقها من اتهامات بالإساءة إلى رئيس الحكومة نواف سلام.
تكرر الأمر نفسه مع الصحافية في منصة «شريكة ولكن» جويل عبد العال، التي تم استدعاؤها ورئيسة المنصة حياة مرشاد إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، بعدما تقدم الفنان فارس كرم بدعوى قدح وذم ضدهما. وكانت عبد العال قد نشرت تحقيقاً حول نظام الكفالة في لبنان، تناولت فيه الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات المهاجرات، و«تطرقنا إلى قضية عاملة لم تتقاضَ أجرها عن ساعات عمل طويلة من الفنان فارس كرم»، كما تقول عبد العال. وتلفت إلى أنه «تواصلنا مع كرم من منطلق حق الرد، ولكنه لم يرد على اتصالاتنا المتكررة».
كذلك، برزت ثغرة قانونية وحقوقية أخرى في قضية عبد العال، جراء تراجع النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش عن استدعاء مرشاد لكونها تحمل بطاقة من نقابة المحررين، والإبقاء على التحقيق مع عبد العال بحجة أنها لا تملك بطاقة صحافية من النقابة. وهذا يعدّ تمييزاً لا أساس منطقياً أو قانونياً له، لأن الانتساب إلى نقابة المحرّرين ليس شرطاً لمزاولة المهنة مثل نقابات المهن الحرة. غير أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تمثل فيها صحافية غير منتسبة للنقابة أمام محكمة المطبوعات، فمن أين جاءت هذه البدعة؟
