
من المنطقي وحتى البديهي، أن يستدعي تعرّض أي بلد لاعتداء خارجي، استنفاراً رسمياً، وتضامناً مجتمعياً. لكن في لبنان، يحصلُ أن يُشكِّل وقوف نائب (مسيحي بيروتي) إلى جانب أهل الجنوب الواقعين تحت عدوان إسرائيلي يومي، خطوةً لافتة تستدعي الكتابة عنها، وتقديرها كعلامة فارقة، وسط حفلة الجنون والكراهية اللذيْن يطبعان سلوك السلطة السياسية الحاكمة للبلد، منذ نهاية الحرب، قبل تسعة أشهر.
من خارج سرب فريقه «التغييري»، يعبُر النائب ملحم خلف الحواجز باتجاه الجنوب المنسيّ. موقفه من حرب الإسناد، لم يمنعه من الحضور بين العائلات المكلومة.
فـ«النقيب» لم ينتظر وقوع عدوان أيلول الهمجي، ليستشعر أن في الجنوب لبنانيين يعانون من الموت اليومي، فحضر إلى بلداتهم مرّات عديدة ليشارك زوجات الشهداء وأبناء الجرحى والأمّهات الثكلى آلامهم. أهمية هذا الحضور أنه في بلدٍ مشرذم طائفياً، لكل مجموعةٍ فيه هواجسها وقضاياها، وأفراحها المختلفة عن المجموعات الأخرى، وحتى آلامها غير المشتركة مع الآخر.
وأهميته أيضاً أنه يقول للجنوبيين: معاناتكم تعني الوطن، وقضيتكم يُفترض التعاطي معها من منطلق وطني، وإنكم جزء من هذا الكل الذي يُسمى لبنان. وهو مهمّ كذلك، لأنه نقيض للتعاطي الرسمي، الذي يشوبه الغياب الفاقع للرؤساء وحتى ممثّليهم، إضافةً إلى الوزراء، ومثلهم غالبية النواب (ما عدا نواب حزب الله وحركة أمل)، عن بلدات الجنوب، في عزّ نكباتها وما تشهده من مجازر.
في البلد من خرج بعد جريمة الـ«بايجر» ليقول إن إسرائيل استهدفت عناصر أمنيين وعسكريين لحزب الله، نازعاً عنهم صفة المدنية، ليبرّر عدم التضامن وضرورة شجب الجريمة. لكنّ خلف قدّم نموذجاً مختلفاً عن ذلك، فلم يشعر بالحاجة إلى محاسبة الجمهور على خياره السياسي.
فتصرّف كـ«نائبٍ عن الأمّة» بحسب تعبيره لـ«الأخبار»، إذ قال: «بحكم الدستور اللبناني، أنا نائبٌ عن الأمّة، وليس فقط عن بيروت، ولو أن أهلها رفعوني ومنحوني ثقتهم». والأمّة بكلامه تعني «أننا جميعاً جزء من كُل، وأيّ معاناةٍ أو وجعٍ لأي مجموعةٍ في لبنان يمسّني في الصميم، وعليه فإن حضوري بين اللبنانيين الذين يعانون هو واجب طبيعي، ليس لديّ أي جميلٍ فيه». ودون ذلك، لن نرتقي برأيه إلى مستوى «المسؤولية الوطنية».
ليس خافياً على أحد أن ملحم خلف لا ينتمي إلى الفريق السياسي للمقاومة، وله موقفه من قضية السلاح وكل النقاش الدائر حول مسألة احتكار الدولة للوظائف الأمنية والعسكرية، لكن «ذلك مفصول عن إحساسنا بالناس ومعاناتهم، انطلاقاً من الدور النيابي المَنوط بنا، وبعيداً عن النظر إلى اللبنانيين كمجرّد قواعد انتخابية»، يقول خلف. وينبّه إلى أن «حديث العدو عن مشروع إسرائيل الموسّعة، لا يمكن إلا أن يدفع باتجاه القفز فوق الحسابات جميعها، والتفكير في كيفية السير بمسار إنقاذي للبلد من مشروع يهدّد دوره ووجوده، وذلك يتطلّب تحصيناً داخلياً، وممارسة سياسية على قدر التحدّيات لا الزواريب».

