
في مقابلته الأخيرة، اختزل حاكم مصرف لبنان السابق المشتبه فيه باختلاس المال العام، رياض سلامة، الانهيار النقدي والمصرفي الذي انفجر في أيامه، بـ«مؤامرة» كان هو هدفها.
وفقاً لروايته، فإن المؤامرة بدأت عام 2015 حين اكتشف أن المدير العام السابق للمالية العامة ألان بيفاني، حاول تصديق تقرير مزوّر من شركة في مدينة ليون الفرنسية.
ومضمون التقرير يتّهم سلامة بأنه حوّل ملياري دولار «من مصرف لبنان بشكل أو بآخر إلى الخارج لمصلحتي الشخصية»، وكان الهدف استعمال التقرير في حملة لمنع سلامة من الوصول إلى الرئاسة «ثم استخدم التقرير لاحقاً في عملية شيطنتي التي كانت في خدمة تدمير القطاع المصرفي والنقدي»... لكن الواقع أن توقيت توزيع التقرير على المسؤولين، جاء مناسباً لرياض سلامة الذي أتيح له تجديد ولايته. يومها قال في مقابلة مع مارسيل غانم: طالما أنا في المركزي الليرة بخير. ليس واضحاً أن هناك مؤامرة ومن الواضح أن الليرة لم تبقَ بخير.
قصّة هذا التقرير ليست مستجدّة، بل كانت معروفة آنذاك. فقد تلقى الرؤساء الثلاثة آنذاك، نسخاً من تقرير مالي يُقال إنه معدّ من شركة تدقيق فرنسية تدعى «كريستال غروب إنترناشونال»، وفيه اتهامات لـ«أفضل حاكم مصرف مركزي»، أي رياض سلامة، بـ«اختلاس أكثر من ملياري دولار من أموال مصرف لبنان لمصلحته الشخصية وبعض المقربين منه».
لكن يبدو أن التقرير لم يكن موقعاً من أي مسؤول في الشركة، أي إنه يحتاج إلى «تصديق». وبحسب سلامة، هذه كانت مهمّة بيفاني «الذي حاول مصادقة التقرير في فرنسا، ولكنّه لم يفلح لأنّ الشركة المعدّة للتقرير لم تقبل».
يقول أحد وزراء المال السابقين إن رياض سلامة اشترى وقتاً إضافياً حتى عام 2022
يُنقل عن بيفاني أنه زار فرنسا بعد ثلاث سنوات من الوقت الذي انتشر فيه التقرير في لبنان، وبالتالي كيف يمكن اتّهامه بهذه المحاولة. هو اتّهام كاذب من وجهة نظر بيفاني. لا بل إن الرواية التي قدّمها سلامة عليها الكثير من علامات الاستفهام. إذ إن تقرير «كريستال» على سبيل المثال، كان عبارة عن ملف مؤلف من 12 صفحة، وزّع في عام 2016، وقد تلقى الرؤساء الثلاثة نسخاً منه ذلك (ليس واضحاً إذا تلقوا المسوّدة أو النسخة النهائية، لكن الأرجح أنها مسودة وإلا كل كلام عن تصديق التقرير لا معنى له). إلا أنّ هذا المسار لم يؤدِّ إلى أي تغيير فعلي في السيرة العملية لرياض سلامة، إذ جُدّد له على رأس مصرف لبنان في حزيران من عام 2017، بموجب المرسوم الرقم 790، وبقي في منصبه حتى نهاية الولاية المجدّدة في 31 تموز من عام 2023.
وتقرير «كريستال» هذا المثير للجدل لم يصمد طويلاً حتى في فرنسا. بعد تسريبه للصحافة اللبنانية في فترة ما بعد الانهيار، نفى رئيس الشركة الفرنسية «كيفن ريفاتون» مسؤوليته عن التقرير.
وقال بشكل علني «ليس لي أو لأيّ من موظفي الشركة علاقة في كتابة التقرير المنشور». وفي وقت لاحق من عام 2022، تقدّم سلامة بدعوى ضدّ مجهول في مدينة ليون الفرنسية، حيث قيود «كريستال»، وبموجبها حصل على إفادة من الشركة بأنّها ليست صاحبة التقرير. وهنا، حمّل سلامة المدير العام لوزارة المالية السابق آلان بيفاني المسؤولية عن إعداد التقرير، إنّما من دون تقديم أي دليل أيضاً.
ورغم كلّ ما سبق، حمّل صاحب أطول مدّة في حاكمية المصرف المركزي تقرير «كريستال» كلّ أوزار القطاع المصرفي في لبنان، ووضعه كحجر أساس لبناء سرديته بأنّه ضحية مؤامرة. فوضعه تارةً في خانة «الشيطنة لتدمير القطاع المصرفي الناجح»، وتارةً أخرى في سياق منعه من الترشح لرئاسة الجمهورية، لأنّ اسمه كان من الأسماء المتداولة حينها، إنّما «من دون أن يسعى، أو يجري الاتصالات الهادفة إلى الترشح»، وفقاً لتصريحات سلامة في مقابلته.
من جهة ثانية، ما لم يقله سلامة في مقابلته كان متداولاً في الصالونات السياسية وقتها، أنّه «المرشح الأقوى للرئاسة بعد نهاية ولاية الرئيس (السابق) ميشال عون». حتى إنّ أحد وزراء المالية السابقين قال قبل الأزمة التي بدأت عام 2019، إنّه «سيبقي أمواله بالليرة اللبنانية في المصرف لأنّ رياض اشترى وقتاً حتى عام 2022». هذا الكلام يشير إلى أنّ سلامة وكلّ الطبقة السياسية على علم بسوء الوضع المالي، وإنّه، أي سلامة، بـ«هندساته المالية» كان يؤجّل الانفجار إلى بعد نهاية عهد عون ليفتح الطريق لنفسه إلى الرئاسة الأولى.
كلّ محاولات سلامة لتقديم رواية جديدة عن أسباب الانهيار المصرفي والنقدي لا تغيّر في الوقائع، فالحاكم بقي حاكماً قبل وأثناء وبعد الأزمة، والمظلّة السياسية التي قدّمت له الحماية بقيت على حالها، إذ لم يُقدَّم مسؤول واحد إلى القضاء بشبهة ارتكاب جرم شائن، فيما وحده سلامة اتّهم باختلاس المال العام.

