«بلاك فرايداي» 2.0: التسوّق جزءاً من مواقع التواصل
من الـ«مول» إلى «تيك توك»... استحالت عملية الشراء مغامرة رقمية تفاعلية، مع توقعات بتجاوز مبيعات «تجارة السوشال ميديا» تريليون دولار قريباً.


في العصر الرقمي، لم تعد فكرة التسوّق مجرد زيارة متجر أو تصفح موقع إلكتروني، بل استحالت تجربة اجتماعية تجمع بين الترفيه والاكتشاف والتفاعل. فبدلاً من الصفوف الطويلة أمام المتاجر أو البحث التقليدي عبر الإنترنت، أصبح بإمكان المستهلكين الآن استكشاف المنتجات، ومشاهدة بث مباشر للبائعين، وإجراء عمليات الشراء بضغطة زر. كل ذلك في ما الناس يتفاعلون مع صناع المحتوى بما في ذلك سؤالهم عن المنتج وحتى طلب تجربته.
تشير الإحصائيات إلى تحوّل غير مسبوق في عالم التسوّق، إذ بلغت إيرادات «تجارة السوشال ميديا» 571 مليار دولار في عام 2023 عالمياً، فيما يُتوقّع أن تتجاوز 1 تريليون دولار بحلول عام 2028، بحسب موقع «ستاتيستا».
ليس هذا التحوّل مجرّد وسيلة لزيادة المبيعات، بل هي أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين. بفضل منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، تقدَّم المنتجات بأسلوب مبتكر يجمع بين الترفيه والاكتشاف، ما يعزز شعور المستهلك بأنّه جزء من قصة العلامة التجارية. ووفقاً لشركة eMarketer، ستصل مبيعات Social Commerce في الولايات المتحدة إلى 72 مليار دولار في نهاية عام 2024، ما يعادل 6 في المئة من كل المبيعات عبر الإنترنت، مقارنة بـ 47 مليار دولار في عام 2022. ومن المتوقع أن تصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2026. هذا النمو الهائل يعكس أيضاً تغييرات في سلوكيات التسوق؛ فبدلاً من الاعتماد على المواقع التقليدية أو زيارة المتاجر، أصبح المستهلكون يعتمدون بشكل متزايد على التوصيات، والمراجعات، ومشاركة المستخدمين لاتخاذ قراراتهم الشرائية.
في الصين حيث انطلقت الفكرة، ناهزت «تجارة السوشال ميديا» الـ900 مليار دولار من المبيعات عبر الإنترنت في العام الحالي، أي ما يقرب من 30 في المئة من إجمالي التجارة الإلكترونية. في المقابل، تتبنى الأسواق الغربية هذه الفكرة بوتيرة أبطأ، إذ أظهرت دراسة حديثة أجرتها Simplicity DX أنّ 62 في المئة من الأميركيين يعتبرون السوشال ميديا أداة لاكتشاف المنتجات، لكن 74 في المئة منهم لا يزالون يفضلون الشراء من مواقع التجارة التقليدية عبر الإنترنت.
View this post on Instagram
تقود «تيك توك»، عبر «تيك توك شوب»، هذا الاتجاه في الغرب، بعد نجاحها الكبير في الصين عبر تطبيقها الشقيق «دوين». تتيح المنصة للمستخدمين استعراض المنتجات، ومشاهدة بث مباشر للبائعين، وإجراء عمليات الشراء مباشرة من دون مغادرة التطبيق. في المقابل، تأخذ «تيك توك» عمولة بنسبة 9 في المئة في بريطانيا و6 في المئة في أميركا، وتوفر خدمات لوجستية تشمل التعبئة والتوصيل وحتى الإرجاع.
لكن التحدّي الحقيقي وفقاً لتقرير نشرته مجلة «إيكونوميست» في الـ 27 من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يكمن في إقناع العلامات التجارية والمستهلكين بتبني هذا النموذج. فبعض الشركات الكبرى، مثل «لوريال» و«بوما»، بدأت استخدام «تيك توك شوب» للترويج لمنتجاتها. في هذا السياق، صرّحت «لوريال » بأنّ المنصة تعدّ وسيلة «ممتازة للوصول إلى المستهلكين بشكل جديد ومبتكر». ومع ذلك، لا تزال شركات أخرى، مثل GymShark، متردّدة بسبب تركيز «تيك توك شوب» على خصومات الأسعار الكبيرة، ما قد يؤثر في هوية العلامات التجارية.
أحد أبرز الاتجاهات في «تجارة السوشال ميديا» هو التسوّق عبر البث المباشر. فقد أثبتت التجارب أنّ هذه الطريقة تعزّز التفاعل بين العلامات التجارية والمستهلكين. على سبيل المثال، حققت علامة P.Louise مبيعات مذهلة بقيمة 2 مليون دولار خلال بث مباشر استمر 12 ساعة في فعالية «بلاك فرايداي»، بيع خلالها منتجان في كل ثانية. كذلك، أثبتت «غارنييه» صحة هذا النهج عبر فعالية «تيك توك» التي استمرت 24 ساعة واستهدفت الجيل Z! وحصلت الشركة على 2.4 مليون مشاهدة، فيما باعت في يوم واحد ما يعادل 11 في المئة من الإيرادات الشهرية.
في عصر الديجيتال، انتقل الـ «مول» بما يمثله من مركز كبير يحوي كل أنواع المنتجات مع تجربة استهلاكية ممتعة، إلى المجال الرقمي عبر منصات التواصل بما تحمله هي أيضاً من تجربة مخصصة ترفيهية وممتعة. ويبدو واضحاً أنّ المستقبل ينتمي إلى العلامات التجارية التي تستثمر في بناء مجتمع رقمي حولها وتقديم تجربة تسوّق غامرة وممتعة.
