الكربون الأسود يفتك بالكوكب
يشكّل الكربون الأسود عاملاً أساسياً في الأزمة المناخية المتفاقمة، لكن ما مصادر انبعاثاته؟ وهل العالم على الطريق الصحيح لحلّ هذه المشكلة؟


في ظلّ أزمة التغيّر المناخي المتصاعدة، يشغل ثاني أكسيد الكربون اهتمام العالم بسبب احتلاله المركز الأول بين الغازات المنبعثة المسبّبة للأزمة، إلا أنّ الكربون الأسود لا يقلّ أهمية عنه، إذ يُعدّ ثاني أهمّ عامل مساهم في تغيّر المناخ، بسبب قدرة جزيئاته على امتصاص أشعة الشمس ما يؤدي إلى إذابة الجليد في المناطق الجبلية والقطبين.
لكن ما يميّز الكربون الأسود عن غيره هو مدة حياته القصيرة في الغلاف الجوي بالمقارنة مع ثاني أكسيد الكربون، ما يفتح مجالاً لتطبيق حلول سريعة النتائج قد تسهم في تحويل التحدي إلى فرصة لقلب موازين المعركة الصعبة على مستقبل الكوكب.
ما هو «الملوّث الخارق»؟
ينشأ الكربون الأسود من الاحتراق غير الكامل للوقود المحتوي على الكربون، مثل الخشب والنفايات والوقود الأحفوري. ويصفه مدير الأبحاث في معهد IRD، كزافييه ماري، بأنه أقدم ملوّث في العالم، مشيراً إلى أنّ «الإنسان الأول تنفس الكربون الأسود عند إشعال النار في كهفه».
رغم احتلال ثاني أكسيد الكربون مركزاً رئيسياً في التغير المناخي، إلا أنّه يبقى في الغلاف الجوي لمدة طويلة تصل إلى عقود، على عكس الكربون الأسود الذي لا تتجاوز مدّة حياته فيه أكثر من بضعة أسابيع. لهذا، يولي مكافحو تغيّر المناخ دولياً اهتماماً متزايداً لخفض انبعاثات «الملوّث الخارق»، لما له من تأثير في إبطاء احترار الكوكب بشكل سريع، خصوصاً في القطب الشمالي الذي يفتك الكربون الأسود بجباله وأنهره الجليدية.
في هذا السياق، يلفت ماري إلى أنّ اللون الأسود للكربون هو مؤشر على مدى مساهمته في الاحترار لأنه يمثّل قدرته على امتصاص الضوء وتخزينه على شكل حرارة.
-
ينشأ الكربون الأسود من الاحتراق غير الكامل للوقود
ما هي مصادره؟
يتشكل الكربون الأسود من عملية احتراق غير كاملة للكتلة الحيوية أو الوقود الأحفوري. علماً أنّ انبعاثاته وصلت ذروتها في أوائل عام 2010، لتنخفض بشكل طفيف منذ ذلك الحين.
وفي تفاصيل العملية الكيميائية، ينبعث الملوّث الأسود من عمليّات احتراق الوقود الأحفوري في مركبات الديزل، خصوصاً في المناطق الحضارية ذات الحركة المرورية العالية، إلى جانب انبعاثه من المصانع ومحطّات الطاقة بشكل واسع أيضاً. وتشكّل انبعاثات الكربون الأسود من قطاعي النقل والصناعة حوالى 34% من إجمالي انبعاثاته.
على الجانب الآخر، ترافق النمو السكاني المتسارع في آخر مئة عام مع ازدياد انبعاثات الكربون الأسود من التدفئة المنزلية والطهي لتشكل 43% من انبعاثاته العالمية. كما تسهم حرائق الغابات والنفايات وانبعاثات السفن والطيران في ما تبقّى من مصادر انبعاثاته.
نافذة جغرافية
يتكدّس الكربون الأسود الذي تحمله الرياح في أعلى الأنهر الجليدية في جبال الهيمالايا التي تقع جنوب شرق آسيا بين الصين والهند، وصولاً إلى القطبين. وبمجرد أن تُغطّى هذه المناطق بالملوّث، تخسر أسطحها البيضاء القدرة على عكس الإشعاع الشمسي.
أمّا في جبال الألب الفرنسية، يعمل الكربون الأسود مع الغبار الآتي من الصحراء الكبرى على تسريع ذوبان الثلوج ما أدّى إلى تقليص مدة تساقط الثلوج بمقدار 17 يوماً في المتوسط على مدى السنوات الأربعين الفائتة، وذلك وفقاً لدراسة نشرت عام 2021 في مجلة «نيتشر كوميونيكيشن».
وتقول رئيسة مركز دراسة الثلوج «ميتيو فرانس»، ماري دومون، إنّ كميات صغيرة من الكربون الأسود كافية لتحدث تأثيراً في لون الثلج وبالتالي تؤدي إلى ذوبانه، مشيرة إلى أن هذا الذوبان المبكر «يخلّ بتوازن النظم البيئية الهشة في الجبال»، إلى جانب تأثيراته في الزراعة وإنتاج الطاقة الكهرومائية.
ورغم ذلك، تعتبر دومون أنّ هناك «بارقة أمل»، إذ انخفضت انبعاثات الكربون الأسود في أوروبا منذ العقد الأوّل من القرن الـ 21، ما عوّض بشكل خفيف تأثير الاحترار المناخي في ذوبان الغطاء الثلجي.
-
أماكن تركّز الكربون الأسود
خطر كبير على الإنسان
يحظى ثاني أكسيد الكربون باهتمام عالمي واسع أدى إلى تغييب الكربون الأسود عن الواجهة، إلا أنّ انتشاره بشكل كبير في كل مكان يؤدّي إلى ملايين الوفيات سنوياً، وفقاً لـ «منظمة الصحة العالمية».
ويحذّر مسؤول جودة الهواء في «المركز الدولي للتنمية المتكاملة في الجبال» ICIMOD، برتران بسانييه، من خطر الكربون الأسود الذي يتشكّل من «جزيئات دقيقة يمكن أن تخترق الرئتين بعمق»، موضحاً أنها مرتبطة عموماً ببعض أنواع السرطان وأمراض القلب.
وفي دراسة نشرت عام 2021، أثبت باحثون في «المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية» في فرنسا أنّ الملوّث الأسود يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 30%.
اهتمام دولي عقيم
يُعدّ الكربون الأسود ملوثاً قوياً بآثار عميقة على تغير المناخ والصحة العامة، وتتطلب قدرته على تسخين الغلاف الجوي بشكل أسرع بكثير من ثاني أكسيد الكربون اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات.
ومن بين هذه الإجراءات، يمكن محاربة الانبعاثات بطرق سهلة، إذ يسهم تطبيق تقنيات الطهي «النظيفة»، إلى جانب استبدال محركات الديزل أو تعديلها، في التخلص من حوالى نصف انبعاثات الكربون الأسود حول العالم.
من جهة أخرى، يقدم التصدي لانبعاثات الكربون الأسود فرصة ذهبية لاتّخاذ إجراءات مناخية سريعة فعّالة تبطئ من التغير المتسارع، وهو ما تتبلور حوله نقاشات القمم المناخية وآخرها قمّة أذربيجان العام الماضي وما تبعها من اجتماعات على رأسها مفاوضات روما الشهر الماضي التي سجّلت اتفاقاً صعباً توصّلت إليه القمة في لحظاتها الأخيرة من أجل تمويل جهود حفظ الطبيعة. غير أنّ طموح بعض الجهات الدولية بتخفيف انبعاثاته إلى 70% بحلول عام 2030 يصطدم بالمرحلة الدولية الحساسة التي استحالت العالم إلى معسكرات تتحارب في ما بينها في جميع المجالات، ما يحدّ من إمكانية إنشاء أي تعاون دولي فعلي يتصدّى لأزمات الكوكب، خصوصاً مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الذي يعدّ من أشدّ مناهضي سياسات محاربة المناخ.
