باريس تسرد حكايات الصحاري
يستعرض المتحف الباريسي رحلة الكائنات الحية في التعايش مع الصحراء منذ القدم وتحويلها إلى موطن لحضارات وبيئات تستضيف حياة برية ونباتية مختلفة.


تشهد فرنسا اليوم الأربعاء، افتتاح متحف باريس للتاريخ الطبيعي الذي يستكشف كيفية تكيّف الإنسان والطبيعة مع الظروف القاسية في الصحاري حول العالم، سواء كانت حارة مثل الصحراء الكبرى وكالاهاري، أو باردة مثل القطب الشمالي.
ما هي الصحراء؟
المعرض الذي يحمل اسم «صحاري» (Deserts)، يقدّم رؤية موسعة لمفهوم الصحراء، بعيداً من الصورة النمطية للجِمَال التي تسير على الكثبان الرملية. فوفقاً لمصمّمة المعرض آنّ كاميّ بوييه، لا يوجد تعريف واحد للصحراء، إذ يختلف مفهومها بحسب تخصص الباحث الذي يدرسها.
أما عالم الأنثروبولوجيا والمتخصص في دراسة الواحات، فنسان باتيستي، فأشار إلى أن السكان المحليين لا يرون الصحاري كأماكن قاسية يصعب العيش فيها، بل يطوّرون إستراتيجيات للبقاء والتكيف مع بيئتهم، وفقاً لما ذكرت وكالة «فرانس برس».
ورغم أنّ الصحاري تمتد عبر قارات مختلفة، من الكتل الجليدية في القطب الشمالي إلى الصحاري الرملية في أفريقيا وأستراليا، فإنّ القاسم المشترك بينها هو ندرة المياه العذبة في شكلها السائل. وإذا احتُسبت المناطق شبه القاحلة، فإن الصحاري تغطي ثلث مساحة اليابسة على الكوكب، حتى في أوروبا، حيث توجد منطقة بارديناس رياليس في إسبانيا.
-
يقدّم المعرض رؤية موسعة لمفهوم الصحراء
تنوع في الرمال والحياة
يبرز المعرض تنوع الصحاري عبر 45 عيّنة مختلفة من الرمال تُراوح ألوانها بين الأبيض والأحمر والرمادي، إلى جانب شرح للعوامل الطبيعية مثل الماء والرياح والصدمات الحرارية التي تشكل تضاريس الصحاري عبر الزمن.
كما يفنّد المعرض الاعتقاد السائد بأن الصحاري بيئات بلا حياة، موضحاً أن النباتات والحيوانات طورت آليات فريدة للبقاء على قيد الحياة، مثل:
- نباتات بلا أوراق مغطاة بالأشواك أو الزغب لتقليل فقدان الماء.
- ثدييات بآذان كبيرة تساعدها على تبديد الحرارة والتمويه.
- الجمل العربي وشجرة الباوباب (المعروفة باسم تبلدي) اللذان يخزنان الموارد في السنام والجذع على التوالي.
- نبات القيامة الذي يمكن أن يبقى خامداً لسنوات ثم ينمو عند أول هطول للأمطار.
-
شجرة الباوباب
كيف تكيف الإنسان مع الصحاري؟
لم يقتصر التأقلم على الكائنات النباتية والحياة البرية مع الصحاري، بل استطاع البشر التكيّف مع بيئاتها القاسية وتحويلها إلى موطن.
في هذا السياق، يستعرض المعرض شهادات مسجلة لأشخاص من الطوارق والمغول والإنويت، يروون فيها قصص حياتهم وسط هذه العوالم المتطرفة.
وتوضح مصممة المعرض آنّ كاميّ بوييه أن الإنسان طور إستراتيجيتين رئيسيتين للتأقلم مع الصحاري:
- التنقل: يعتمد سكان الصحاري منذ القدم على الترحال بحثاً عن الموارد، مستعينين بوسائل مثل «صندوق البدوي» الذي يحتوي على أدوات حياتهم الضرورية، إلى جانب مسارات الملاحة التقليدية التي تساعدهم في التنقل عبر المساحات الصحراوية الشاسعة.
- تحويل البيئة: تتجسد هذه الإستراتيجية في بناء الواحات، حيث تُخلق بيئة خصبة وسط الصحراء حول أشجار النخيل، التي توفر الظل وتسمح بزراعة الفواكه والخضروات التي لم يكن يُعتقد أنها يمكن أن تنمو في الصحراء.
العلماء والصحراء
يخصص المعرض قسماً لتتبع مسيرة العلماء الذين جعلوا من الصحارى ميداناً لأبحاثهم، ومن بينهم عالم الأحياء الفرنسي تيودور مونو، الذي كان من أبرز المستكشفين للصحارى الأفريقية. ويعرض المتحف دفاتر ملاحظاته الأصلية، التي توثق تفاصيل رحلاته واكتشافاته الفريدة في الصحراء.
الجدير بالذكر أنّ المعرض يستمر حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، مقدّماً للجمهور فرصة نادرة لفهم كيف تحولت الصحارى من أماكن تبدو غير مضيافة، إلى نظم بيئية معقدة وموطن للإنسان والطبيعة، حيث يستمر التحدي الأزلي للبقاء والتكيف.
