أنهار أوروبا تغرق في البلاستيك!
توصّلت دراسة حديثة إلى نتائج مخيفة تُظهر مدى تلوّث أنهار القارة الأوروبية الرئيسية بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة.


أظهرت سلسلة من الدراسات العلمية التي نُشرت حديثاً في مجلة Environmental Science and Research Pollution أنّ الجسيمات البلاستيكية الدقيقة منتشرة في جميع الأنهار الأوروبية الرئيسية تقريباً، بما في ذلك نهر السين في فرنسا، ونهر التيمز في المملكة المتحدة، ونهر إلبه في ألمانيا، ونهر إيبرو في إسبانيا.
وتأتي هذه النتائج بعد حملة علمية واسعة النطاق تحت اسم تارا مايكروبلاستيك، التي جرى تنسيقها عام 2019 بمشاركة 40 باحثاً من 19 مختبراً أوروبياً، تحت إشراف «المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية»، وبدعم من مؤسسة «تارا أوسيان». وقد تركزت الأبحاث على تحليل محتوى تسعة أنهار أوروبية من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة.
جسيمات أصغر من حبات الأرز
وصفت العالمة الكيميائية وأحد المشاركين في المشروع، ألكسندرا تير هالي، الجسيمات البلاستيكية بأنها «أصغر من حبة أرز»، وبعضها غير مرئي للعين المجردة. وهي تشمل أليافاً نسيجية من الغسيل، وجزيئات ناتجة من احتكاك إطارات السيارات، إضافة إلى قطع دقيقة تنفصل عند فتح عبوات الماء.
وبحسب العلماء، فإن متوسط التلوث الذي رُصِد بلغ «ثلاثة جسيمات بلاستيكية دقيقة لكل متر مكعب من الماء»، وهو رقم يبدو منخفضاً بالمقارنة مع بعض الأنهار في آسيا وأفريقيا مثل الغانج أو النيل، لكنه يكتسب بُعداً خطيراً عندما يُقاس بتدفق المياه في الأنهار الأوروبية الكبرى.
فعلى سبيل المثال، في مدينة فالنسيا، يتدفق في نهر الرون نحو 1,000 متر مكعب من المياه في الثانية، ما يعني أن 3000 جسيم بلاستيكي تمر في كل ثانية، وفقاً لتقديرات الباحث جان فرنسوا غيغليون، الذي قاد الدراسة.
التلوث غير المرئي هو الأخطر
من أبرز النتائج المفاجئة التي كشفت عنها الدراسة، وفقاً لغيغليون، أن «الجسيمات غير المرئية تمثل الكمية الأكبر من التلوث». في حين تطفو الجسيمات الأكبر على السطح، تنتشر الأصغر حجماً في عمق النهر، ما يجعلها عرضة للابتلاع من قبل الكائنات المائية.
كما رُصدت أنواع من البكتيريا الضارة على بعض الجسيمات في نهر اللوار، وهو ما يشير إلى إمكان تسببها في عدوى لدى البشر أو الحيوانات.
-
يعدّ نهر السين في فرنسا أحد الأنهر الملوّثة
مصادر غير متوقعة للتلوث البلاستيكي
واحدة من أكثر النتائج إثارة للقلق كانت اكتشاف أن ربع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا تأتي من النفايات، بل من المواد البلاستيكية الأولية المستخدمة في القطاع الصناعي. ويُطلق على هذه الجسيمات اسم «دموع حورية البحر»، وغالباً ما تظهر بعد حوادث بحرية أو تسربات صناعية.
وقد أسهم في التوصل إلى هذه المعلومة طلاب من المدارس الفرنسية، ضمن مشروع علمي تشاركي تحت عنوان «البلاستيك تحت المجهر»، شارك فيه نحو 15 ألف تلميذ سنوياً.
التلوث لا يرتبط بحجم المدينة أو موقعها
رغم التوقعات المسبقة، لم يتمكن الباحثون من إثبات علاقة مباشرة بين التلوث وكثافة المدن المحاذية للأنهار. في هذا السياق، اعتبر غيغليون أن التلوث يبدو منتشراً ومستقراً ويأتي من كل مكان.
كما لم يُجرَ إصدار تصنيف للأنهار من حيث نسبة التلوث، إذ كانت الأرقام متقاربة نسبياً، والبيانات لم تكن كافية لحسم هذا النوع من الترتيب.
دعوات لخفض إنتاج البلاستيك
خلص العلماء إلى أن المصدر الرئيسي للتلوث هو الإنتاج الصناعي للبلاستيك، أكثر من سلوكيات الأفراد أو رمي النفايات فقط. ووفقاً لغيغليون، فإن «التحالف العلمي الدولي» الذي يشارك فيه عدد من هؤلاء الباحثين، يدعو إلى خفض كبير في إنتاج المواد البلاستيكية الأولية، معتبراً أن «الحدّ من التلوث يبدأ من المصدر».
في ضوء هذه النتائج، تبدو أزمة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في أوروبا غير مرئية فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث حضورها في النقاش العام. ومع أنها لا تُرى بالعين، فإن تأثيرها يتسلل بصمت إلى حياة الإنسان والطبيعة، ما يجعل من مواجهتها مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
