رحلة نسائية إلى الفضاء: مصدر إلهام أو ترف مفرط؟
هل تسهم رحلة «بلو أوريجين» الاستثنائية في تعزيز دور المرأة، أم أنّها تلمّع صورة الشركة على حساب نشر صورة نمطية طبقية تربط مكانة النساء بمدى ثرائهن؟


من المقرر أن تنطلق الأسبوع المقبل أوّل رحلة فضائية نسائية بالكامل منذ أكثر من ستة عقود، معتمدة على صاروخ «نيو شيبرد» التابع لشركة «بلو أوريجن» (Blue Origin) المملوكة لجيف بيزوس، بمشاركة شخصيات بارزة من عالم الفن والإعلام والعلوم، من بينهن المغنية كايتي بيري والإعلامية غايل كينغ.
رحلة تاريخية
من المقرر أن تدخل «بلو أوريجن» التاريخ عبر مهمة NS-31 التي ستنطلق في 14 نيسان (أبريل) الحالي من موقع الإطلاق «وان»، المعروف بمزرعة الذرة في غرب تكساس.
تنطلق المهمة التي تضم طاقماً نسائياً بالكامل، في رحلة شبه مدارية ليصلوا إلى ما وراء خط كارمان، وهو الحد المعترف به دولياً للفضاء على ارتفاع 100 كيلومتر فوق الأرض، علماً أن البعثة تهدف إلى إلهام الأجيال القادمة عبر عرض إنجازات النساء في مجالات متنوعة وتعزيز المساواة بين الجنسين في استكشاف الفضاء.
لكن الرحلة التي يروّج لها على أنّها «احتفاء بالمرأة وإلهام للأجيال القادمة»، أثارت موجة من الجدل، لا سيما مع ازدياد الضغوط الاقتصادية والبيئية التي يواجهها كثيرون حول العالم.
-
سيحمل صاروخ «نيو شيبرد» الطاقم إلى الفضاء
ترف مفرط في زمن الأزمات
انتقدت الممثلة الأميركية، أوليفيا مون، بشدّة المهمة السياحية الفضائية خلال ظهور تلفزيوني حديث، إذ شككت في جدوى إنفاق الملايين على «رحلة فضائية تستغرق 11 دقيقة»، في وقت يعاني فيه كثيرون حتى من شراء أبسط الحاجات اليومية.
واعتبرت مون، بحسب ما نقل موقع USA Today، أن الكثير من الناس لا يستطيعون حتى شراء البيض، مبدية امتعاضها من الرحلة التي تشكّل «نوعاً من الترف المفرط». وأضافت أن كمية الوقود المطلوبة للرحلة لا تخلو من أثر بيئي سلبي، معتبرة أن الرحلة تبدو أقرب إلى تجربة من مدينة الملاهي منها إلى مساهمة في المعرفة العلمية.
وأثارت مون أيضاً قضية الخبرة، مشيرة إلى أنّ واحدة فقط من بين المشاركات الست هي رائدة فضاء محترفة، فيما يتعامل الباقون مع الرحلة بوصفها تجربة شخصية مترفة، على حد تعبيرها.
ورغم أنّ شركة «بلو أوريجن» لم تعلن عن تكلفة الرحلة، إلا أنّ منافستها «فيرجن غالاكتيك» تبيع تذاكر رحلاتها الفضائية بنحو 600 ألف دولار للمقعد الواحد. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الرحلة بأكملها قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، ما عزز الانتقادات حول أولوية مثل هذه المشاريع في ظل تصاعد الفجوات الاقتصادية.
نظرة نقدية إلى رمزية النجاح
يشمل طاقم الرحلة كلاً من نجمة الغناء الشهيرة كايتي بيري، ومقدمة البرامج غايل كينغ، العالمة السابقة في «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا) عائشة بو، والناشطة الحقوقية أماندا نغوين، والمنتجة كيريان فلين، والصحافية لورين سانشيز، التي تُعد شريكة بيزوس.
ورغم أن المنظمين يروّجون للرحلة بوصفها احتفاءً بإنجازات النساء، إلا أن كثيراً من النقاد يرون أن اختيار شخصيات مشهورة وناجحة جداً يكرّس صورة نمطية عن النجاح النسائي بوصفه مرتبطاً بالاستثناء والامتياز، لا بالتمكين الجماعي.
في هذا السياق، تشير دراسة أكاديمية حديثة تناولت مذكرات رائدات الفضاء إلى أن مثل هذه الروايات تصوّر النساء الناجحات كمخلوقات «استثنائية» لا يمكن للنساء العاديات أن يتماهين معها. فعلى سبيل المثال، كتبت رائدة الفضاء كاثرين كولمان في مذكراتها أنها كانت ترتدي بدلات فضائية مصمّمة للرجال وتتكيف معها «كي تبدو ملائمة»، في إشارة إلى مدى الجهد المطلوب لكسر الصورة النمطية.
Introducing our digital cover stars: The women of @blueorigin’s historic all-female space crew—Katy Perry, Lauren Sánchez, Gayle King, Aisha Bowe, Amanda Nguyen, and Kerianne Flynn—are defying gravity. https://t.co/pLZtCSm6lj pic.twitter.com/DIeu0Jdmdh
— ELLE Magazine (US) (@ELLEmagazine) April 2, 2025
مصدر إلهام أم امتياز طبقي؟
تشير الأكاديمية المتخصصة في تاريخ العلوم، نعومي أوريسكس، إلى أنّ السرديات التي تبدو ملهمة مثل هذه الرحلة، تخفي وراءها واقعاً طبقياً يجعل من الصعب اعتبار مثل هذه الرحلات نموذجاً قابلاً للتكرار.
وتضيف أوريسكس، أن استخدام الذكاء الاصطناعي والترويج السردي المبالغ فيه يسهم أحياناً في إنتاج «انطباع زائف عن التجديد»، لا سيما عندما تُقدَّم قصص النجاح الفردي كبديل عن التغيير البنيوي الضروري لتمكين النساء فعلاً في مجالات العلوم والفضاء.
تجارب رمزية في وقت قصير
تستمر الرحلة 11 دقيقة فقط، منها حوالى 4 في حالة انعدام الجاذبية، وهي المدة التي يُفترض أن تشهد تنفيذ تجربتين علميتين بقيادة أماندا نغوين، إحداهما بالتعاون مع «المركز الوطني للفضاء» في فيتنام، والثانية تتعلق بصحة المرأة.
ورغم ذلك، يتساءل مراقبون عن جدوى علمية ملموسة يمكن تحقيقها في إطار زمني ضيق كهذا، خصوصاً أن مثل هذه التجارب لا تُجرى غالباً في ظروف علمية صارمة كالمهمات الطويلة الأمد.
هل تُلهم الرحلة فعلاً؟
بعيداً من كل الجدل، لا يمكن إنكار الرمزية القوية لرحلة نسائية خالصة إلى الفضاء، بعد أكثر من 60 عاماً على أول رحلة مماثلة خاضتها فالنتينا تيريشكوفا في الاتحاد السوفياتي عام 1963.
لكن الرمزية، على قوتها، لا تكفي وحدها لإقناع المنتقدين. فبالنسبة إليهم، تمثل هذه الرحلة مفارقة صارخة بين الخطاب التقدّمي والواقع الذي تُنفق فيه ثروات طائلة على تجارب نخبوية، فيما تستمر العقبات البنيوية التي تمنع النساء في معظم أنحاء العالم من الوصول إلى التعليم العلمي أو مناصب القرار.
في النهاية، يبدو أنّ رحلة «بلو أوريجن» النسائية تحمل معها كل ما هو ملهم وكل ما هو مثير للجدل. وبينما تحتفل وسائل الإعلام بحدث رمزي طال انتظاره، يبقى السؤال مفتوحاً: من تُلهم هذه الرحلة حقاً، وما الثمن الحقيقي لهذا الإلهام؟
