اليابان: الـ AI لإنقاذ أشجار الكرز!
تلجأ اليابان للذكاء الاصطناعي لإنقاذ أشجار الكرز العريقة من الشيخوخة والتغير المناخي، عبر تطبيق يقيّم حالتها ويجمع بياناتها للحفاظ عليها!


تواجه أشجار الكرز المزهرة في اليابان، والتي تُعد رمزاً راسخاً للتجدد والزوال في الثقافة اليابانية، خطر التقدم في العمر، ما يهدد استمرارية هذا المشهد الطبيعي الذي ينتظره اليابانيون والسياح سنوياً خلال موسم «الساكورا». وفي ظل هذه التحديات، ظهر حل تقني مبتكر قد يسهم في الحفاظ على هذه الأشجار العريقة: تطبيق قائم على الذكاء الاصطناعي يحمل اسم «ساكورا آي-كاميرا».
شيخوخة الأشجار وتهديد مستقبل
تراوح أعمار عدد من أشجار الكرز في اليابان بين 70 و80 عاماً، ما يجعلها عرضة للمرض والتدهور الطبيعي. وقد دقّت السلطات المحلية ناقوس الخطر، مشيرة إلى ارتفاع تكلفة صيانة هذه الأشجار، والتي قد تصل إلى نحو 6,874 دولاراً لإعادة زراعة شجرة جديدة، بحسب بيانات من منطقة ميغورو الواقعة جنوب غرب طوكيو، المعروفة بممشى أزهار الكرز الشهير على ضفتي نهرها.
في هذا السياق، برزت دعوات متزايدة للاستعانة بـ«أطباء الأشجار»، وهم خبراء مختصون في متابعة حالة النباتات المعمّرة والعناية بها، ولكنّ ندرة الموارد البشرية والمالية أعاقت توسيع نطاق هذه الجهود.
أداة ذكية ترصد صحة الأشجار
أمام هذا التحدي، أطلقت شركة «كيرين» اليابانية المتخصصة في صناعة المشروبات تطبيق «ساكورا آي-كاميرا»، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل صور أشجار الكرز الملتقطة عبر الهواتف الذكية، وتقييم حالتها الصحية على مقياس من خمس درجات، بدءاً من «صحية جداً» وصولاً إلى «مقلقة».
دُرّبت هذه الأداة على قاعدة بيانات تضم أكثر من 5000 صورة، ما يمكّنها من مساعدة الأطباء المختصين في تحديد الأعمار التقريبية للأشجار وحالتها البيئية. ويتم تخزين هذه البيانات، بما في ذلك الصور والمواقع الجغرافية، على منصة إلكترونية مفتوحة المصدر، تتيح للسلطات المحلية الاطلاع عليها مجاناً واستخدامها في خطط الحفاظ.
منذ إطلاق الأداة الشهر الماضي، تم تحميل أكثر من 20 ألف صورة لأشجار الكرز على المنصة، في ما اعتبرته شركة كيرين خطوة ملموسة نحو المساهمة في الجهود المجتمعية للحفاظ على هذا التراث الطبيعي.
تغير المناخ وتأثيراته المتزايدة
يرى أحد المشرفين على تطوير الأداة من جمعية «أطباء الأشجار» اليابانية، هيرويوكي وادا، أن القدرة على تتبّع حالة الأشجار ومواقعها بدقة هو إنجاز علمي مهم. ويقول: «الوضع المثالي هو أن نتمكن من استخدام هذه البيانات لتحليل الأسباب التي تجعل الأشجار عرضة للخطر، واتخاذ إجراءات وقائية مبكرة».
ووفقاً لوادا، فإن العوامل المناخية باتت تلعب دوراً متزايداً في تدهور حالة أشجار الكرز، إذ لاحظ خلال زياراته المتكررة لطوكيو ارتفاعاً في عدد الأشجار التي تحتاج إلى رعاية خاصة. ويقول: «أنا قلق جداً. التغيرات البيئية التي كانت تدريجية في السابق، أصبحت الآن أكثر وضوحاً. الحرارة المرتفعة، نقص الأمطار، وتقدم عمر الأشجار، جميعها عوامل تجعل الوضع أكثر هشاشة».
وكانت «وكالة الأرصاد الجوية اليابانية» قد أعلنت في كانون الثاني (يناير) الماضي أن عام 2024 هو الأشدّ حرارة إطلاقاً في الأرخبيل.
بين التكنولوجيا والرمزية الثقافية
انخراط شركة كيرين في هذه المبادرة لا يقتصر على الجانب التقني، إذ بدأت أيضاً بتخصيص جزء من أرباحها لدعم مشاريع الحفاظ على أشجار الكرز. ويوضح ريسا شيودا، من قسم التسويق في الشركة، أن البيرة والكحول تُعد جزءاً من تقاليد «هانامي»، وهي حفلات مشاهدة أزهار الكرز، ما يجعل الحفاظ على هذه الأشجار جزءاً من التزام ثقافي واجتماعي أيضاً.
وترمز أزهار الكرز في اليابان إلى هشاشة الحياة وجمالها الزائل، إذ لا تدوم إلا لأسبوع واحد قبل أن تتساقط. وتأتي مدة الإزهار تزامناً مع انطلاق السنة المالية الجديدة، وتمثل لحظة انتقالية في حياة الكثير من اليابانيين، بين تخرّج الطلاب وبداية حياتهم المهنية، وتسلّم كبار الموظفين لمهمات جديدة.
في ظل هذه المعاني العميقة، يبدو أن إنقاذ أشجار الكرز لم يعد مجرد قضية بيئية، بل بات أيضاً ضرورة ثقافية وتاريخية. والذكاء الاصطناعي، الذي دائماً ما نُظر إليه كأداة للمستقبل، قد يكون الآن مفتاح الحفاظ على أحد أجمل رموز الماضي.


