مهمات الفضاء... ثمن باهظ على الجسد والعقل
وسط تجدّد اهتمام الدول الكبرى في استكشاف الفضاء، تبرز تحديات تصطدم بقدرة الجسم البشري على التحمّل في ظلّ التقنيات المتوافرة حالياً.


يعاني رواد الفضاء خلال رحلاتهم الطويلة من تحديات صحية معقّدة ناجمة عن بيئة الفضاء القاسية، حيث تمثّل الجاذبية الصغرى، والعزلة الممتدّة، وارتفاع مستويات الإشعاع، مزيجًا يفرض ضغطاً هائلاً على الجسد والعقل. ورغم الجهود المبذولة من وكالات الفضاء العالمية، إلا أن التأثيرات الصحية ما تزال تشكّل عائقاً حقيقياً أمام استكشاف الإنسان للكواكب البعيدة، وفي مقدّمتها كوكب المريخ.
فقدان الكتلة العضلية وترقّق العظام
في غياب الجاذبية الأرضية، يتراجع نشاط العضلات والعظام بشكل ملحوظ. وبحسب دراسات وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، يخسر رواد الفضاء ما يصل إلى 1% من كثافة عظامهم شهرياً، ما يعرّضهم لخطر الكسور عند العودة إلى الأرض. أما الكتلة العضلية، فتنخفض تدريجياً رغم الالتزام ببرامج رياضية يومية صارمة تمتد لساعتين. وتستخدم محطات الفضاء أجهزة مقاومة متطوّرة لمحاكاة تأثير الأوزان، ولكنها تبقى حلولاً جزئية.
مشكلات بصرية
من الظواهر الصحية الأحدث والأكثر غموضاً ما يُعرف بـ«متلازمة العين العصبية المرتبطة برحلات الفضاء» (SANS)، والتي تؤدي إلى تغيّر شكل مقلة العين وضعف في البصر. وقد أبلغ عدد من رواد الفضاء، من بينهم الأميركية جيسيكا مير، عن معاناتهم من أعراض هذه المتلازمة بعد رحلاتهم، ما أثار قلق الأطباء حول التأثيرات الطويلة الأمد على البصر.
-
يلتزم الرواد ببرامج رياضية يومية صارمة تمتد لساعتين
الإشعاع
لا وجود في الفضاء لدرع الغلاف الجوي الذي يحمي البشر على سطح الأرض من الإشعاعات الكونية. وبينما توفّر «محطة الفضاء الدولية» بعض الحماية بفضل موقعها القريب من الحقل المغناطيسي الأرضي، فإن الرحلات إلى القمر أو المريخ ستعرّض الرواد لمستويات أعلى بكثير من الإشعاع.
في هذا السياق، حذّر عالم الفيزياء الفلكية سيغفريد إيغل من أن تقنيات الحماية الحالية غير كافية، داعياً إلى تطوير نُظُم جديدة للوقاية قبل الانطلاق في مهمات بعيدة المدى.
العزلة والضغط النفسي
من جهة أخرى، لا تقلّ الضغوط النفسية أهمية عن التحديات الجسدية، فالعزلة لفترات طويلة في مكان ضيّق، مع غياب الخصوصية وندرة الاتصال بالعالم الخارجي، ترفع من مستوى التوتر بين أفراد الطاقم.
وحول هذه الزاوية، يؤكّد المختص في علم النفس جوزف كيبلر أن المشكلات الاجتماعية تتحوّل إلى تهديد حقيقي للمهمات إذا لم تُدار بفعالية. لذلك، تتضمّن برامج التدريب الحديثة سيناريوهات محاكاة تساعد الرواد على تنمية مهارات التواصل والتأقلم.
لمعرفة المزيد عن آخر التطورات في مشاريع الفضاء، اقرأ أيضاً: حاشية ترامب لا تريد العودة إلى القمر
المريخ التحدي الأكبر
تستغرق الرحلات المخطط لها إلى كوكب المريخ حوالى تسعة أشهر في اتجاه واحد، ما يضاعف من تأثيرات المخاطر السابقة. وتشير بعض التقديرات إلى أن الدفع النووي قد يوفّر تسارعاً يحاكي الجاذبية الأرضية، ما يساعد على تقليل آثار الإشعاع وفقدان الكتلة العضلية. لكن هذه التقنية ما تزال قيد البحث والتطوير.
تحديات... وأمل
بينما تستعد «ناسا» ووكالات فضاء أخرى للانتقال من المدار الأرضي المنخفض إلى أعماق النظام الشمسي، تواصل الفرق الطبية والعلمية العمل على إيجاد حلول مبتكرة لهذه التحديات. فالمهمة لا تقتصر فقط على الوصول إلى كوكب آخر، بل على ضمان سلامة الإنسان خلال الرحلة وبعد العودة، في مغامرة قد تكون الأعقد في تاريخ البشرية.
