هل تقتل تعريفات ترامب الموضة المستدامة؟
هل تهدد تعريفات ترامب الجمركية مستقبل الموضة المستدامة؟ السياسات الجديدة قد تُعطّل الجهود البيئية وتزيد الأعباء على الشركات والمستهلكين.


هل سيتلقى الكوكب أخباراً سارة بعد التعريفات الجمركية التي فرضها دونالد ترامب؟ صحيح أنّ هذه التعريفات قد تُبطئ من الاستهلاك «التافه» وتؤدي إلى تراجع الموضة السريعة، لكن هل يعني ذلك أنّ الأمور ستكون إيجابية بالنسبة إلى جهود الاستدامة في قطاع الموضة؟
الموضة المستدامة في خطر
تباطأت جهود الاستدامة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حتى قبل تصريحات ترامب بشأن التعرفات الجديدة، وذلك لأسباب عدّة، منها تقليص الإنفاق في شركات الأزياء، وإعادة الهيكلة الناتجة من تباطؤ النمو، إضافة إلى التركيز على إعداد تقارير الاستدامة بدلاً من تنفيذها فعلياً، إلى جانب ما يُعرف بـ«الرأسمالية المستيقظة» بين بعض المستثمرين، والضغوط المتزايدة من مختلف الجهات.
حتى الالتزامات التي ظهرت في أعقاب «اتفاقية باريس للمناخ» خضعت لـ«منطق الأعمال المعتادة». على سبيل المثال، في عام 2019، أُطلقت أكبر مبادرة استدامة في عالم الموضة، وهي «ميثاق الموضة لمواجهة التغيّر المناخي»، بقيادة عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات كبرى مثل «أديداس»، «برادا»، «نايكي»، و«غاب»، إذ تعهّدوا بخفض انبعاثات الكربون.
لكن بعد مرور خمس سنوات، أظهرت دراسة أجرتها شركة «ماكنزي» عام 2023 أنّ نحو ثلثي دور الأزياء التي تزيد إيراداتها عن مليار دولار لم تلتزم بتلك التعهدات. ما يعني أنّ عدداً من الشركات الكبرى ما تزال تُفضّل الأرباح السريعة على الالتزامات الطويلة الأجل والمعقّدة، حتى تلك التي تُعدّ نفسها رائدة في مجال الاستدامة. على سبيل المثال، قامت «نايكي» بإعادة هيكلة واسعة في تموز (يوليو) الماضي، أنهت فيها عقود جزء كبير من فريق عمل الاستدامة لديها.
من جهة أخرى، وبعد أن سادت ظاهرة حظر استخدام الجلود والفراء الطبيعية على منصات العروض، عادت هذه المواد الضارّة بالبيئة والحيوانات لتظهر مجدداً في مجموعات خريف وشتاء 2025-2026، لا سيما لدى «توري بورش» و«ميو ميو» و«فندي». كما شاهدنا عدداً من النجمات يعتمدنها، من بينهن هايلي بيبر وكندال جينر وتايلور سويفت وريانا.
-
عادت الفراء إلى مجموعات خريف وشتاء 2025-2026
وكانت الفراء قد أثارت نقاشات واسعة في عام 2017، حين أعلنت «غوتشي» توقفها عن استخدامها، ما شجّع عدداً من المصممين ودور الأزياء على اتباع النهج ذاته. لكن الفراء عادت لتحظى باهتمام المشاهير والجيل زي، فهل يمكن اعتبار ارتدائه — سواء أكان طبيعياً، مُعاد التدوير، أو نباتياً — خياراً مستداماً بالفعل؟
تعرفات ترامب تُعقّد المشهد أكثر، إذ تجعل الاستدامة والتقدم في إزالة الكربون أموراً بعيدة المنال. فالعلامات التجارية الكبرى ستبتعد عن تخصيص مواردها لقضايا المناخ وحقوق العمال، بينما تخوض الشركات الصغرى معركة وجود من أجل البقاء.
ولا يُستبعد أن تبدأ العلامات التجارية، امتثالاً للسياسات الجديدة، بالضغط على الموردين وإلغاء الطلبات. وقد يلجأ المصنّعون إلى تقليص العمالة، وتجميد أو إنهاء المبادرات البيئية، بل وحتى إغلاق مصانعهم.
المستهلكون يتراجعون
في ظلّ هذه التعقيدات، يُتوقّع أن يتروّى المستهلك قبل شراء السلع الفاخرة، وأن يلجأ بشكل متزايد إلى شراء المنتجات المستعملة، وهي لا تخضع للتعريفات. ورغم بساطتها، إلا أنّ هذه الخطوة قد تصبّ في مصلحة البيئة وخبراء الاستدامة الساعين إلى الحفاظ على الكوكب.
تأثير الأزياء السريعة في البيئة
بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تُعدّ صناعة الموضة ثاني أكبر مستهلك للمياه عالمياً، ومسؤولة عن نحو 10% من الانبعاثات الكربونية، أي أكثر مما تنتجه الرحلات الجوية الدولية والشحن البحري معاً.
تعتمد الموضة السريعة على تسريع عملية تصميم وإنتاج وتوزيع الملابس، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية وتلوّث الأنهار والجداول. كما يُلقى 85% من المنسوجات في مكبات النفايات سنوياً، فيما يُطلق غسل الملابس 500 ألف طن من الألياف الدقيقة إلى المحيطات سنوياً — ما يعادل 50 مليار زجاجة بلاستيكية.
ووفقاً لـ«اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيّر المناخي»، يُتوقّع أن ترتفع الانبعاثات الناتجة من صناعة المنسوجات بنسبة 60% بحلول عام 2030.
ترامب «لا يكترث» للبيئة
لا يبدي الرئيس الأميركي اهتماماً يُذكر بقضايا المناخ في سياق معاركه التجارية. بل على العكس، فقد أصدر أخيراً أمراً تنفيذياً يقضي بإلغاء السياسات المتعلقة بمكافحة تغيّر المناخ وتقليص استخدام الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة.
وجّه ترامب أوامره إلى «وكالة حماية البيئة» و«وزارة الطاقة» و«اللجنة التنظيمية النووية» و«مكتب السلامة والإنفاذ البيئي» و«خدمة الأسماك والحياة البرية»، لتعديل اللوائح بما يضمن انتهاءها بحلول أكتوبر 2026.
لم يكن هذا التحوّل مفاجئاً، إذ دائماً ما اعتبر الرئيس الجمهوري تغيّر المناخ «خدعة» موجّهة ضد الاقتصاد الأميركي. ولهذا السبب، لا يبدو أنه يكترث للتأثيرات السلبية التي قد تُخلّفها تعريفاته الجمركية في الجهود البيئية، وبدلاً من دعم الاستدامة، ستُضطر الشركات الكبرى والصغرى إلى تحويل مواردها لمواجهة آثار ارتفاع الكلفة، والأسعار، بدلاً من الاستثمار في البيئة. وبينما يتفاخر ترامب بإعادة الولايات المتحدة إلى «عظمتها»، يعاني الكوكب من تداعيات هذه السياسات على مستقبل المناخ والموضة المستدامة.
