هواء باريس يستعيد نقاءه
استطاعت العاصمة الفرنسية تقديم نفسها كنموذج يُحتذى به، يؤكد أنّ المدن قادرة على تحسين الظروف البيئية، رغم تفاقم الأزمة المناخية.


يضجّ العالم في الأعوام الأخيرة بكثرة الآثار السلبية المترافقة مع التغيّر المناخي، إلا أنّ تقريراً جديداً كشفت عنه في وقت سابق هذا الأسبوع مؤسسة Airparif، التي تعمل في مجال رصد جودة الهواء، أظهر أنّ باريس تحوّلت على مدار العقدين الماضيين من مدينة تغصّ بالسيارات والدخان، إلى نموذج حضري يتنفس هواءً أنقى ويمنح الأولوية للمشاة والدراجات. ولم يكن هذا التحوّل نتيجة مصادفة، بل جاء نتيجة سياسات جريئة اتبعتها السلطات المحلية، خصوصاً في مدة إدارة عمدة المدينة آن هيدالغو، وبدأت تؤتي ثمارها على صعيد جودة الهواء وصحة السكان.
من الشوارع إلى المساحات الخضراء
منذ مطلع الألفية، شهدت العاصمة الفرنسية تغييرات كبيرة في بنيتها الحضرية، تضمّنت تحويل شوارع رئيسية إلى ممرات للمشاة، وإنشاء مسارات خاصة للدراجات الهوائية، إلى جانب تقليص عدد مواقف السيارات بنحو 50 ألف موقف، إضافة إلى تحويل ضفاف نهر السين إلى فضاءات عامة خالية من السيارات.
هذه التدابير لم تُعِد تشكيل المدينة بصرياً فقط، بل أحدثت تحوّلات غير مرئية ولكنها عميقة في الجو الذي يستنشقه سكان باريس.
أرقام تؤكد التحوّل
بحسب بيانات مؤسسة Airparif، فقد انخفضت مستويات الجزيئات الدقيقة (PM2.5) بنسبة 55% منذ عام 2005، كما تراجعت نسبة ثاني أكسيد النيتروجين (NO₂) بمعدل 50%. وتعكس هذه النسب تأثيراً مباشراً للسياسات الأوروبية والوطنية والمحلية في مجالات النقل والطاقة والبيئة.
ورغم هذا التقدّم، لا تزال باريس تواجه تحديات، خاصة في ما يتعلق بالأوزون الأرضي، الذي يواصل تأثيره السلبي نتيجة التغيّر المناخي وانتقال التلوّث عبر المسافات الطويلة.
-
الفارق في تلوث هواء باريس بين أعوام 2024 و2007
تحسّن مقابل تحديات مستمرّة
في عام 2024، انخفض عدد السكان المعرّضين لمستويات غير قانونية من تلوّث الهواء إلى حوالى 800 شخص فقط، مقارنة بـ5,000 في العام السابق، ومعظمهم يعيشون بمحاذاة الطرق السريعة والحلقات المرورية مثل «الطوق الباريسي».
لكن حتى مع بلوغ الحدود القانونية الحالية، فإن المعايير الأوروبية الجديدة، الأقرب إلى توصيات منظمة الصحة العالمية والمقررة لعام 2030، تكشف أن نحو 2.6 مليون شخص في منطقة إيل-دو-فرانس سيظلّون معرّضين لمستويات مقلقة ما لم تستمر الجهود.
لمعرفة المزيد عن آثار التغير المناخي، اقرأ أيضا: أنهار أوروبا تغرق في البلاستيك!
مكاسب صحية ملموسة
أسهم انخفاض التلوّث في تقليص عدد الوفيات المبكرة المرتبطة بجودة الهواء بنسبة الثلث بين عامَي 2010 و2019. إلا أنّ التلوّث لا يزال مسؤولاً عن فقدان ما يقرب من 10 أشهر من متوسط عمر كل بالغ في المنطقة، ويسهم في 10 إلى 20% من أمراض الجهاز التنفسي، و5 إلى 10% من الأمراض القلبية والتمثيل الغذائي، مثل السكتات القلبية والدماغية والسكري.
بين السياسات والاحتياجات
رغم النتائج الإيجابية، واجهت بعض السياسات معارضة من شرائح واسعة، خصوصاً من سكان الضواحي وأصحاب السيارات الذين رأوا في الإجراءات الجديدة قيوداً تعيق حركتهم. لكن في المقابل، صوّت الباريسيون في استفتاء شعبي لمصلحة تحويل 500 شارع إضافي إلى مناطق مخصصة للمشاة، ما يعكس رغبة سكان المدينة في الحفاظ على نمط حياة أكثر هدوءاً وصحة.
نحو مستقبل أنظف
تشير تقديرات Airparif إلى أنّه في حال استمرت السياسات البيئية الحالية، فإن غالبية منطقة إيل-دو-فرانس ستحترم المعايير الأوروبية الجديدة بحلول عام 2030. ومع ذلك، ستحتاج المناطق القريبة من محاور المرور الكبرى إلى جهود إضافية لتقليص مستويات التلوّث.
وتماشياً مع هذه الرؤية، أُعلن عن إطلاق نظام جديد لتوقّعات حبوب اللقاح على مستوى كل بلدية، لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من الحساسية في التكيّف مع التغيرات البيئية اليومية.
مدينة تتنفس...
تحوّلت باريس في عقدين إلى مختبر حضري يُبيّن كيف يمكن أن تؤدي السياسات الطموحة إلى تغييرات صحية ملموسة، ليس فقط في شكل المدينة، بل في جودة الحياة نفسها. وبينما لا تزال التحديات البيئية قائمة، فإن التجربة الباريسية تُظهر أن المدن قادرة على التعافي، عوضاً عن انتظار تشكيل إستراتيجية دولية موحّدة لمعالجة المشكلة المناخية الداهمة.
